فهرس الكتاب
سيأتي، إن شاء الله، والله أعلم. ثم لما بلغت ثلاث سنين حدثتهم جدتي للأم أني ظهر فيَّ من التمييز أمر غريب؛ كالاستدلال على التوحيد، وقبول ما تلقيته من ذكر المعجزات، وأخبار الصالحين، فكانت تربيني بتعلم ذلك وإلقائه إليَّ، ثم ألقتني إلى المُكْتِب وأنا ابن خمس سنين، ولازمته ولم أهرب منه يوما واحدا ولا عجزت عن حفظ لوحي ولو في حالة واحد وظهر من الصلاح هداية كبيرة فكانت الجدة تمشيني على ذلك على حسب إمكانها، فتعلمني الطهارة والصلاة، وتدلني على تقوى الله، سبحانه، وتلقنني ذكر سهل بن عبد الله إذ قيل له: قل في صباح كل يوم ومسائه: (الله معي، الله حافظي، الله شاهدي، الله ناظر إلي) ، من قالها لا يعصي الله فمنع من المعصية، وكان ذلك حفظا له، رحمة الله عليه، فلم تزل تعاهدني بهذا وأمثاله مدة صغرى، وتذكرني بحكاية أهل الصلاح، وتعلمني اليقين والإيمان، وتعمل في ذلك بما يكون في قلبي وما يدلني على الله، وينفرني من الاعتماد على غير الله، (ومن ذلك) أنها كانت مدة مديدة تعطيني حلاوة وطعاما طيبا. حتى كنت لا أعرف الوالدة قط من إحسانها إلي، فالله، تعالى، يقبل منها. فإذا جيئت إليها وطلبت غدائي قالت: لماذا طلبتني؟ فإنما الرزق من عند الله، فاطلب مولاك الكريم عساه يفتح لك. فتمد يديها وأمد يدي معها بالدعاء ساعة، ثم تقول: إنما يكون رزق الله في الركون إلى الله، تعالى، ففتشه من الأركان. فنقوم فنفتش فأقع عليه هناك، فتقول: يا ولدي، أرأيت مولاك كيف يرزقك ويعطيك؟ ويحصل لي من الفرح بالله ما يملأ قلبي، ويغمر وجودي، فتكرر ذلك علي مرارا ليثبت في قلبي، فكان ذلك مقدمة لثلاثة أمور: اليأس من الخلق، والرجاء في الله، ولزوم التوكل على الله، سبحانه، وكان ذلك مني كأنه جبل راسخ. والحمد لله وبه التوفيق.
(فصل) في زمن التفريط والخذلان