فهرس الكتاب
لما أصبحت أتيت المسجد للموضع الذي أعتاد فيه أصحابي، فلم أجد فيه أحدا، فاشتغلت بالذكر، وكنت لا أرى الاشتغال به شيئا وكنت لا أصحب العباد، وإنما هو الكلام المرسوم وحده، فأذهب الله ذلك كله من قلبي في هذه الحالة، وجاء أصحابي لما يعتادونه مني، فلم يعرفوا مني خردلة، فتركوني على حالتي كما تركتهم على حالتهم. وقد لزمني قبض تام في انشراح يسعني معه وجود العلم والتصرف على وفق همتي لا غير، ونهضت في يومي ذلك أطلب الخلاص قائلا: لا نجاة إلا باستدراك ما فات من عمري، فعرض لي طلب علم حالي باعتبار ما أتوجه إليه، عالما أنه لا يجوز الإقدام إلا بعلم في مبادئ العمل في التوجه، وعند ما صح عزمي على ما ذكرت من طلب علم لإرادة الخلاص، وقعت بصيرتي على رجل كنت أراه كثير حركة اللسان بالذكر، ملازم الكتاب، مواظبا على الخير في ظاهر الأمر، فسألته عن كتاب ينفعني فيما أريده، فدلني على (بداية الهداية) ، وكنت أعرفه قبل بالخبر، فطلبه لي بعض الأصحاب الذين كنت معهم قبل هذا الوقت، فجاءه رجل منهم بنسخة كتبت بخط الإمام الشافعي (1) ، رضي الله عنه، فأعطاني ذلك، ثم دخلت مجلسا ممتلئا بالناس، فجلست آخر المجلس، فقيل لي: ارتفع إلى صدر المجلس يا أبا يعزى ويهدى. فقال: أنا الصدر، فأينما جلست فهو صدر المجلس. فأنشدت أقول بلسان الحال:
نحن الكواكب في الظلام الحندس *** حيث انتهينا ثم صدر المجلس
إن يذهب الدهر الخئون بوفرنا *** عنا فلم يذهب بعز الأنفس
(فصل) في علم الجيش وعلم الثواب (2)
ومنه: تسميته أبا الجبال، بكثرة العلم
(1) كذا.
(2) كذا.