فهرس الكتاب
أذقه وأطلقه فمن ذاق شربة *** من الكأس هذي كيف بعد يفيق؟
ثم لم يزل في التحصيل سهرا وإكبابا باذلا كل جهده في ذلك، حتى إنه في بعض العواشر ارتحل إلى الأستاذ سيدي علي بوضاض الإخصاصي، فأخذ عنه الفرائض والحساب ثم لم يفته درس من دروس صنوه ولا من دروس الأستاذ 326/1
327/1 الحاج محمد اليزيدي، حين كان في المدرسة الإلغية عام 1301 هولم يزل على هذه الحالة إلى أن توفي صنوه بأحواز مراكش، ونقله مع الشيخ الوالد إلى إلغ ثم استتم الوالد تلك السنة على ما خلفه عليه الأستاذ المرحوم في المدرسة الإلغية، فغادره إلى ما خلق لأجله كما رأيت ذلك في ترجمته.
في الاستعداد لقيادة المدرسة:
في المدرسة الإلغية حين توفي مؤسسها، نبغاء أصحابه المتفوقون غاية التفوق وهم بلا شك تدربوا على مجاذبة الأبحاث مع من يتصدر أمامهم، فحين حق لصاحب الترجمة أن يقود القافلة، وأن يتصدر في مركز الإدارة، وزن نفسه بميزانه الدقيق الذي نعرفه عنه في طول حياته، فلا شك أنه رأى في بعض نواح من معارفه نقصا، فأراد أن يستدركه قبل أن يبرز في الميدان، وينقض عليه بواشق المدرسة بأبحاثهم من كل جانب، فاستدعى الأستاذ اليزيدي فشاركه في المدرسة من جديد، فأكب بمعاونته في مخض الوطاب وسن الظبا, وكان يتعاون هو واليزيدي والوالد الذي كان يغب في كل مساء إلى منتصف الليل في استفتاح المغلقات واستيضاح المشاكل، فما توسط عام 1304 هحتى أحس من قوادمه وخوافيه بقوة يقتدر بها على مطايرة أقرانه في المدرسة بل يبذهم بذا، حتى يصلح أن يكون أستاذهم بالاستحقاق وأن يسموا تلاميذه بكل جدارة.
وقد حكي لي أنه كان في هذا الطور قد طلق كل أشغاله الخاصة وتركها في أيدي العبيد، مع أنه يدرك أن السرقة من أبناء حام عادة مستمرة إن راعيتهم فكيف إن جعلتهم بأنفسهم رعاة؟ يعرف ذلك حق المعرفة، ولكنه يقدم الأهم فالأهم وهو الفقيه الذي يعرف قاعدة: إذا اجتمع ضرران ارتكب أخفهما.