فهرس الكتاب
هذا مع أنه تزوج إذ ذاك، وقد خلف صنوه على السيدة مريم بنت أحمد أخت والدنا، بعد أن تقضت عدتها.
أستاذ المدرسة:
صدق الذين قالوا: ما أفسد الطب إلا أنصاف الأطباء، ولا أفسد العلوم إلا أنصاف المعلمين، صدقوا والله؛ لأن من تصدر لتعليم علم قبل أن يتمكن فيه وقبل أن تحصل له فيه ملكة، وقبل أن يكون على ذكر من جل مسائله على الأقل فإنما هو كمثل الأعرج الذي يريد أن يعلم غيره المسابقة بالأرجل، وكيف الوثبات التي يمكن للمسابق أن يبذ بها صاحبه عند الحضر في المضمار.
رأينا الأستاذ علي بن عبد الله، وما أثره تعليمه بعد أن تمكن كل التمكن في المعلومات التي يدرسها، وفي العلوم المختلفة التي يلقنها في المدرسة منذ 327/1
328/1 تصدر، فرأينا ما خلبنا وما بهر عقولنا، وتركنا نوقن أن ذلك من أثر تمكنه ومعرفته ما يعلمه حق المعرفة.
كثيرا ما يوازن طلبة المدرسة الإلغية في أسمارهم بين ما ينقلونه عن الأستاذ ومقدار رسوخه في قلوبهم كأنه نقش على حجر, وبين ما يتلقونه عن غيره ممن يستنيبهم الأستاذ في المدرسة، فيتعجبون من أن درس غيره يطير عن ذاكرتهم قبل أن ينفتل المدرس عن مجلسه، بخلاف ما يتلقونه عن الأستاذ، ولكنه قلما ينفذون إلى هذا السبب الذي ذكرناه.
قال بعض الفتية الإلغيين: لدرس واحد آخذه عن الأستاذ أكثر فائدة من عشرة آخذها عن فلان، سمعت ذلك بأذني، وهذا الفتى من ألبق النشء الإلغيين.
وقال آخر ممن كان ربض بين يدي الأستاذ ما شاء الله، ثم التحق بأستاذ آخر في مدرسة أخرى وهو من مشاهير المدرسين في أول نصف هذا القرن: إنني أقوم عن ذلك الأستاذ وكأنني بليد موصد القلب، متحجر الذاكرة, على حين أعهد من نفسي أنني أستحضر كل ما أخذته عن الأستاذ علي بن عبد الله بعد سنة وكأنني أخذته عنه الساعة, أو كما قال، وما السبب في ذلك إلا ما ذكرناه.