الصفحة 463 من 9223

جلس الأستاذ في دارنا مع الوالد وهو ثالث ثلاثة، وقد ألقى الأصلي رداءه المذهب في جو إلغ الصقيل، تحت ذيل النسيم العليل، والنفوس مطمئنه, والبهجات في المحافل الأدبية مرسلات الأعنه، إذا بعاد يعدو إلى الجالسين فقال لهم: إن خيلا كثيرة قد ألبست بسوادها ما حول دار الفقيه, فانفتل الوالد والفقيه وراءه فصادفوا القائد سعيدا مع أصحابه، ومع حاحيين وغيرهم، فلاقياهم ببشر وسرور كأنهما لا يهجس في قلوبهما منهم شيء أو كأنهم وفد خير ورسل سلام، ثم أقيمت الضيافة لهم خير قيام في دار الأستاذ، وفي دار الوالد ولكن الأضياف فاجأهم ليلا ما أزعجهم عن طلبتهم التي صمدوا إليها، فقد طرقهم أن الوفقاويين والبدراريين (1) الذين كانوا إذ ذاك في محاربة مع الجيوش النفلوسية وما إليها، قد سروا بسرية تكمن لهم في (دراووغ) في نفس الطريق الذي يسلكه السالكون من مجاط إلى إلغ.

حكى الأستاذ رحمه الله أنه كان واقفا في تلك الليلة أمام باب ثوية والقائد سعيد وأصحابه في داخله، وعبد جميل نشيط أحوذي للأستاذ قائم على رؤوس الأضياف يمد إليهم ما يحتاجونه، فالتفت القائد إلى جلاسه فقال لهم: لماذا يكون مثل هذا العبد الأحوذي الجميل لفلان الفلاني- وعبر بعبارة لا تكتب- فلماذا لا نذهب به؟ فأنا أولى بمثله، قال الأستاذ: فقلت له في نفسي: والله لا ترينه أيها الجبار العنيد بفضل الله وعنايته.

في منبثق الفجر أجفل الأضياف وطلعوا من طريق تاكانزا وهم يكثرون الالتفات يمنة ويسرة، خوف أن يمتد الكمين أيضا إلى تلك الجهة البعيدة عن (دراووغ) وهم يطيرون بأجنحة النعام، إذا رأى أحدهم غير شيء ظنه رجلا.

كأن فجاج الأرض وهي بسيطة *** على الهارب المطلوب كفة حابل

يؤتى إليه أن كل ثنية *** تيممها ترمي إليه بقاتل

(1) البدراريون: الجبليون أهل جبل جزولة الذين يدافعون إذ ذاك عن جبلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت