فهرس الكتاب
ذلك طبع الأستاذ الجبلي الذي يظهر منه كل الظهور بين أقرانه وتلاميذه وجلسائه، ولكنه لا يكاد يزاول الشئون الأخرى ويرى بعينه ما يرى، مما لا يتسع له حتى صدر الأحنف بن قيس وتحمل قيس بن عاصم حتى ترى منه بعض المرات ثورات لا يقف أمامها واقف، وخصوصا حين يشاهد إفساد الحقول ودوس البقول والعبث بالمزارع واقتضاب الأغصان المثمرة، فلا أزال أتذكر أنني في بعض الصبية أترابي كنا نتجارى على فرس في مزارع السنابل 345/1
346/1 فلم نشعر به حتى هرول إلينا، وصوته الجهوري تصتك به آذاننا فرجعنا بأجنحة النعام، وهو يتبعنا بالرمي بأحجار كنا لها مستهدفين، غير أن الله سلم فولجنا ديارنا بقلوب واجفة وفرائص مرتعدة ,فكان لنا ذلك درسا لم يزل نصب أعيينا إلى الآن، وقد يضجر أيضا أحيانا من المتخاصمين الذين يحكمونه في قضاياهم، ومن كثرة إلدادهم وشغبهم وعنتهم ونزولهم عليه كأنهم لم يطرق آذانهم قول القائل:
(ليس على الفقيه من ضيافة)
فينهال عليهم متفجرا بالتأنيب والعتاب ما شاء الله، ثم لا يلبث أن ينهال عليهم ثانيا بخيرات حسان، وجفان كالجوابي وقدور راسيات، فتبرئ الموائد البهجة ما جرحته الصدور الحرجة.