الصفحة 482 من 9223

وكان يجب نجباء الطلبة ويقوم بضعفتهم بما يمده إلى كل إنسان منهم بيده فيما بينهم وبينه, ويشجع كل من آنس منه تقدما في فن من الفنون التي يعتني بها الإلغييون وخصوصا علوم الدين والأدب وما إليها، فكل من رأى له في ذلك أثرا محدثا مقالة أو رسالة أو قصيدة أو قطعة، يعتني به غاية الاعتناء ويجمع عليها أهله- وما أهله إلا علماء نجباء متفوقون- مع من وفدوا على حضرته فيلقي عليهم بنفسه ما أحدثه التلميذ من قريحته بلسانه الفصيح، ولهجته العذبة, فإن كانت شعرا وهو الغالب فإنه يكرر كل بيت على حدة، ويترنم به, فيستحسن بكل إعلان ما كان مستحسنا، ويغض عما رأى من الزلل مع التلويح إلى ما في ذلك من غير تصريح، حتى لا يحصل خجل للقائل فينكص على عقبه وتفتر همته, والتشجيع دائما أفضل للتلاميذ، وهكذا أيضا في الرسائل والفتاوى, وسواء صدر هذا من تلاميذه الإلغيين أم من تلاميذ تلاميذه، بل يعتني بكل ذلك وإن صدر عن أجانب عن إلغ أريحية منه وحبا للأدب العام وللآثار العلمية كيفما كانت وأيا كان أصحابها.

على أن له وسط تلاميذه مع هذا الخلق الواسع وقفات أخرى إذا شاهد من أحدهم خروجا عن اللاحب أو آنس ما يخل بالمروءة أو يهتك سمعة المدرسة, فكم ذي لحية كثة وهو عملاق يطاول النخيل، مد أمامه في المدرسة، فاختلفت عليه الحبال حتى يكره إلغ وما إليها، وتمنى لو لم يعرف إليها من سبيل ولا ورد بلا شوك ولا روضة أنفا بغير سياج, وجزاء سيئة سيئة مثلها, وكم زلة لا يمكن أن يتلى إزاءها (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) ولبعض الإلغيين في الموضوع:

إذا أنت لم تكبح رفيقك مرة *** وقد اعتدى شاركته حيث لا تدري

وذو الاعتداء إن أعاد غدت له *** خلائق تبقى لا تزول إلى القبر

ونفس الفتى جماحة لا يردها *** سوى كبحها بالجذب والنهر والقهر

ومن كان ذا حزم فلا بد أن ترى *** له ضغطة حينا وإن كان ذا صبر

347/1 فما كل ذي داء يداوى بسكر *** فكم نغل لا بد فيه من الصبر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت