فهرس الكتاب
فعلى هذه الطريقة التي عليها صاحب الترجمة يسير كل الإلغيين, ولا أعلم الآن من حاد عنها حتى الشيخ الوالد الذي هذبه التصوف وكانت تربيته قلبية غير تربية الإلغيين, فإنه قل أن تجد من أصحابه الذين أكثروا ملازمته من لم يحدثك عنه بأثارة من هذا الخلق، وهذا الخلق يسمى عند الأخلاقيين الإسلاميين عمريا نسبة إلى عمر الذي قل أن تجد من بقية العشرة المبشرين بالجنة فمن دونهم من لم يصطدم ودرته، ولا يوتى هذا الخلق إلا من أوتي القوتين: الذاتية, والروحية وقلما يسلك صاحب هذا الخلق فجا إلا سلك المفسدون فجا آخر فرارا منه, على أن الناس طبائع والغاية واحدة وإن تعددت الوسائل, وإن كان الخلق النبوي من الحلم والأناة والمسامحة أعظم الأخلاق وأفضل ما يقتدى به، وفي الحديث:"إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم"وقد سرى إلى الأخلاف منا نحن الإلغيين هذا الخلق من الأسلاف, ولكن يجب علينا أن لا نتخذه المثل الأعلى.
وهبني قلت: هذا الصبح ليل *** أيعمى العالمون عن الضياء؟
فأنا بنفس طالما ندمت على مثل هذه المواقف (1) المزرية ولكن الطبع واأسفا يغلب التطبع, فلنقل الحق ولننصف فإن الله يعين على الرفق ما لا يعين على الخرق.
فهذا الحق ليس به خفاء *** فدعني من بنيات الطريق
وكانت له رحمه الله في رماية اليد قرطسة قلما تخطئ اشتهر بها, لاسيما إن كان راجلا؛ لذلك كان إن حزبه أمر واستحثه أن ينهى مفسدا من المفسدين في المزارع وقت فصل الربيع ينفتل عن ظهر بغلته إن صادفه الحال راكبا، فيقف على رجليه؛ ليوجه الحجارة كيف يريد, فإذا بالحجر من يده كالسهم من يد أحد بني ثعل, وكان رحمه الله رجل الدنيا والآخرة ورجل المعارف والمكاسب خلق لهما معا.
وإنما رجل الدنيا وواحدها *** من لا يعول في الدنيا على رجل
(1) كنت حين لبثت في تينجداد معتقلا جمعت مؤلفا في هذه المواقف التي عددتها إذ ذاك أزيد من سبعين وسميته (مواقف مخجلة) .