الصفحة 486 من 9223

ليس كل أستاذ ينتظر أن تشاهد منه آثار قلمه، ولا كل أديب علامة يفتش عن آثاره في التثقيف والتهذيب، ما لم يكن كصاحب الترجمة الذي تأتت له وجهتان، وتيسرت له هجرتان, فأمكن للسانه الذي يدرس به ويلقي به مختلف العلوم على تلاميذه الكثيرين أن يترك لنا ذلك الجم الغفير من آثار تهذيبه وتخريجه، وأمكن أيضا ليراعه الذي لا يهدأ بين الدواة والقرطاس أن يفيض علينا بآثار قيمة رائعة إن قيست ببيئتها زخرت بها الكنانيش وافعوعمت بها الخزائن، فلذلك يجب علينا لك أيها القارئ أن نعرض أمامك من آثار قلمه أولا، ثم نعرض عليك ثانيا من آثار تهذيبه وتخريجه ما ستراه قريبا، إن قلم الأستاذ كان سباقا إلى الغايات، نساجا صناعا في القصائد الإخوانيات، وفي الرسائل المحبرات، فكان يتقلب بين الشعر والنثر, وكان الجناس والسجع مما يقصده الأستاذ، وينتظم في سلك الأدباء الذين يختارونهما ويرون (أن في الخمر معنى ليس في العنب) تمشيا مع البيئة، وهل الإنسان حتى الأديب إلا ابن بيئته؟

حدث الأديب سيدي أحمد بن محمد اليزيدي أن الشيخ أحمد الهيبة سأله مرة وقد زاره بكردوس عن الموازنة بين هذين الأديبين الكبيرين: صاحب الترجمة, والأستاذ الإفراني، فأجابه الأستاذ اليزيدي:

كلاهما حين جد الجري بينهما *** قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي

فقال له: صدقت، غير أن الأستاذ الإلغي في النثر أبرع، ولا يشق له فيه غبار, وليس دون وادي أم الربيع إلى شنكيط من يوازيه في الترسل, والأديب الإفراني شاعر مصقع فرع في براعته وبلاغته كل من يتعالى إلى النزع في القوافي في الغرب كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت