الصفحة 488 من 9223

أيام كلها غرر وخجول، يفوز في ميادينها بالخصل كل من يجول، كثيرا ما أتأملها بين أيام أخرى فأتبينها في أثنائها كثوب في أثنائه علم، فأين منها يوم العرجي الذي غاب عذاله ولا ما ذكره الرضي عن زمنه بذي سلم, ولا عيب فيها غير أنها أقصر من أنملة القطاة, وأنها ولت فغادرتنا في نكد شوق أطول من ظل الغداة، ولكن عادة أيام السرور أن تكون قصارا، وأن تهب عند إقبالها يربح رخاء ثم تصرصر عند إدبارها إعصارا.

فتبا لهذا الدهر لا يعرف البذلا *** سوى إن أدالت كفه بعده البخلا

كشمس تضيء الكون لكنها متى *** تميل تديل الظل يستتبع الليلا

هذا وقد جاءتني رسالتك الكريمة, ودرتك اليتيمة، فوقعت فيها على كنوز الجوهر والدر، وإن كان غيري يسميها النثر والشعر، فأقبلت بعيني أمتعهما وأسيمهما ما يروعهما, وأتمنى لو كنت كلي عيونا بصيرة؛ ليكثر استمتاعي بتلك الرياض النضيرة, غير أن سيدي قاسني على نفسه, وظنني من جنسه، فأفاض علي من حلاه, وأقبسني من سناه, ومن طابت خصاله وخلاله، وحسنت أقواله وفعاله، يخال الناس كلهم من معدنه, وأنهم كلهم سائرون في سننه، ومن حسن فعله حسنت ظنونه, وصدق ما يعتاده مما تتوهمه عيونه، على عكس قول أبي 350/1

351/1 الطيب المتنبي، الذي إذا قال في معنى يزيد فيه توسعة ويربي:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه *** وصدق ما يعتاده من توهم

جزاك الله يا سيدي على طيب سريرتك وصفاء نيتك، فقد عبرت عن جوهرك الخالص خير تعبير، ونبأتنا عن ذات نفسك ولا ينبئك مثل خبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت