الصفحة 4976 من 9223

مما يؤثر أن الشيخ مر بصبيان يلعبون ويبنون ألاعيب من حجارات. فتلقوه وقبلوا يده إجلالا فعرج على ألاعيبهم فهدمها. فمر والصبيان شاخصون إليه بأبصارهم ساكتين ممتعضين. ثم مر ثانيا فلم يتلقوه ولم يقبلوا يديه فهدم أيضا ألاعيبهم. فقال له بعضهم بنوع من الأدب: ما تصنع الآن بنا أيها الشيخ. ثم هوى أيضا إليهم مقبلا في المرة الثالثة. فتئأمروا على أن يقابلوا برمي الأحجار أن ذهب أيضا إلى ألاعيبهم. وكذلك فعلوا به. فقال الشيخ: إنني كنت أظن أن الناس هم الذين يحترمون أحمد بن موسى حتى عرفت الآن أن أحمد بن موسى هو الذي يحترم نفسه. فصار ذلك مثلا مضروبا عند الناس في أن من لم يحترم نفسه لا يحترمه الناس.

ومما يؤثر أيضا أنه كان في مجلس يتكلم فيه بالعربية كأنه يتلو كلاما عربيا فصيحا. فلحن فيه. فقال طالب من عرض الناس: نعم الشيخ لولا أنه يلحن. فإذا به أعاد الكلام على وجهه من غير لحن ثم أنشد:

لساني لسان معرب في حياته *** فياليته في موقف الحشر يسلم

فما ينفع الأعراب إن لم يكن تقى *** وما ضر ذا تقوى لسان معجم

وقد قيل له: اتحفظ الألفية. فقال: لم أحفظ منها إلا هذين الشطرين

(فما أبيح أفعل ودع ما لم يبح) *** (وما لنا إلا اتباع أحمدا)

وحكى أيضا أنه كثيرا ما ينشد في معرض القناعة من أمور الدنيا:

فما قضى أحد منها لبانته *** ولا انتهى آرب إلا إلى آرب

وهذا مما يرد به ما قيل من أنه لم يحفظ من الشعر إلا هذين البيتين:

تأمل أصول الكائنات فإنها *** من الملك الأعلى إليك رسائل

ولا تلتفت للغير والكل هالك *** (ألا كل شئ ما خلا الله باطل) (1)

(1) شطر قديم للبيد. تمامه: وكل نعيم لا محالة زائل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت