فهرس الكتاب
هذا وقد حدثت أخيرا على الأستاذ غربة صريحة؛ لأن أقرانه كالوالد قد توفوا عنه، ففقد منهم أعضادا قوية، ومعينين حاضرين, ولأن كبار تلاميذه قد اتصل كل واحد منهم بمدرسة أو بشغل شاغل من أسرته، فلا يراهم إلا فينة بعد فينة، وهو ذلك الأديب الأريحي الذي نعلم منه أنه اجتماعي لا يطيب له 356/1
357/1 بالانفراد قلب، وذو همة اعتادت الترقي دائما في كل ناحية، فكيف يرتاح لسكون في عزلة أو انفراد، وحتى الحلبة الأخيرة من تلاميذه الأدباء قد تفرقوا شذر مذر، وآخرهم الأديب البوزاكارني الذي ترك بمغادرته إلغ مقام الأدب خاليا وثغره شاغرا فقد ودعه الأستاذ بعدما كان زينة مجلسه في عقد حياته الأخيرة، وفارس الأدب الذي يقبل بالحلبة كما شاء ويدبر، وقد اندفع أيضا هذا الأديب إلى من لا يعرف قدره فأدركته حرفة الأدب من كل جهة، فلنقف هنا وقفة حتى نقرأ رسالتين تعاطياهما أواسط عام 1346 هقبل وفاة الأستاذ بقليل, فقد نجد لما ذكرناه من الغربة التي ذكرنا أن الأستاذ صار إليها مما يلاقيه ممن لا يعرف قدره من بعض المجاطيين ونظرائهم دليلا ناصعا على ذلك.
كتب إليه الأديب البوزاكارني بما نصه:
(شيخنا شيخ الشيوخ، المضاهي في تحقيقه وتدقيقه ابن فروخ، رجل الآخرة والدنيا, قصوى كانت أو دنيا، سيدي وإمامي، الذي لا أسري مسرى إلا وأنوار إرشاده محيطة بي من ورائي وأمامي) .
نزيلك حيثما اتجهت ركابي *** وضيفك حيث كنت من البلاد
وما يممت من بيداء إلا *** ومن جدواك راحلتي وزادي
من لا أسميه مهابة وإجلالا، ولا أحليه اكتفاء بشهرة صفاته فناهيك بها صفات وخلالا.
فعرض إذا حدثت بالبان والحمى *** وإياك أن تنسى فتذكر زينبا
ستكفيك عن ذاك الجمال إشارة *** فدعه مصونا بالجلال محجبا
أشر لي بوصف واحد من صفاتها *** تكن مثل من سمى وكنى ولقبا