فهرس الكتاب
سلام الله على تلك الحضره، التي لا يعدوها السرور والنضره، هذا وقد وصل كريم كتابك، وجليل خطابك، مؤكدا على وصول كتاب القائد ساعة القدوم وقد وصله بحمد الله، بمجرد وصول الحامل سيدي محمد قبل أن يراني غير أنه كما قيل:
دخولك من باب الهوى إن أردته *** يسير ولكن الخروج عسير
ثم، الله يعظم أجر سيدي في مصابه، بسيدي عبد الله بن أحمد ويحسن فيه عزاءه، فقد علمنا والله إن كان لرجل صدق وأمانة وفتوة ومروءة، وكل خلق حسن، فلذلك عجل به- كلكم تموتون وإنما يعجل بخياركم- وليتعز سيدي عنه بما أمر صلى الله عليه وسلم بالتعزي به، إذ قال:"ليعز المؤمنين في مصائبهم المصيبة بي".
لكل أخي ثكل عزاء وأسوة *** إذا كان من أهل التقى في محمد
358/1 ولولا أني تركت الشعر ترك السقب لغرسه، والرأل لتريكته (1) لقلت فيه فإنه لذلك أهل بيد أنه لا طاقة لنا اليوم إلا بالترحم عليه، والاستغفار له، فالله يرحمه ويغفر له مغفرة عزما, فهو الغفور الرحيم.
وأما عبيدكم فلم يزل يوالي الزفرات، ويتابع العبرات، على تلك الأوقات، التي كلها مذاكرات ومنافحات:
يا ليت شعري والدنيا مفرقة *** بين الرفاق وأيام الورى دول
أبعد بعد تقول الدار جامعة *** أم هل تعود لنا أيامنا الأول؟
أبعد بعد تقول الدار جامعة؟ *** شملي بهم أم تقول البعد محتوما؟
فهاأنذا ملقى في زاوية الإهمال، غير منظور إلي لا بعين الإجلال ولا بعين الإذلال، منتبذا عن الناس، سمير الهم والوسواس, فلا راتب ولا جاري، ولا أنيس ولا صديق ولا دار، فالآن صرت غريبا حقا.
الفقر في أوطاننا غربة *** والمال في الغربة أوطان
فلا أسمع بطرو أخ أو صديق إلا وددت لو لم ألقه، لعجزي عن بره، والله لقد صدق من قال:
(1) السقب كفلس: ولد الناقة ساعة يولد، والغرس بالكسر: ما يخرج مع الولد كالمخاط، والرأل: ولد النعام، والتريكة كالسفينة: البيضة إن خرج منها الفرخ.