فهرس الكتاب
كان المترجم منذ أن انخرط في تلك الوظيفة يداري من في المركز وقد قام بما كلف به بالصدق والأمانة. فأنجاه صدقه مما يتوقعه في كل لحظة. فكان العيون الكثيرون المبلغون عنه كل ما يرون. يدحضون دائما بعدم البراهين التي لا يقدمون واحدا منها. ثم سيق له مراقب هناك يسمى (كرواص) وهو شاب غر متترع متلون دخال خراج. وهو من الذين لا يتصفون ببقية أوصاف رجال (فرنسا) المتينة. فأمكن له بمداخلته أن يرى منه جوا صقيلا. وجانبا لينا. بل اتخذه مجرسا (1) يفضي إليه بذات نفسه. فتمكن المترجم إزاءه وهو بهذه الأوصاف. يفتح صدره وسره من أن يرد عنه المرجفين به على الأعقاب. ومما حدثني به عنه أنه أمره أن يحتال بكذبة تستحق أن يؤاخذ بها القائد مبارك البنيراني لذا كان يتربص به الدوائر. لكنه لا يجد سببا محقا. فيتطلب كذبة يجد بها إليه سبيلا. ثم لما نقل هذا المراقب نقلا غير عادي لما أخذ عليه مما هو متصف به. وجاء آخر. وذلك بعد انعقاد الهدنة. صار المترجم يستعين برئيس المجاطين العلويين أن يجد متملصا مما هو فيه معتذرا بأنه كبير السن يتجاوز الستين لا يقدر على كثرة التنقلات التي يقتضيها ما كلف به. فيسر الله له أن وجد
طلبته في ذى القعدة عام 1359 هـ. فطار فرحا وسرورا. والناس كلهم يتعجبون منه كيف يأبى مثل ذلك المقام الذي يغبطه عليه كل فقهاء جهته. ولكنهم لو عرفوا الرجل وأدركوا كل ما سطرناه هنا مما لم يعرفه كثيرون من الجهال لزال عجبهم الكثير. ولا ريب أنه لا يرضى بدنية مثل تلك الوظيفة إلا من لم يذق استقلال النفس. ولا يجد في مثل ذلك لذة يغبط بها إلا من لم يلتذ قط بأذواق القلوب.
(1) محل سره. كمعقد.