فهرس الكتاب
سألته عما كان يصنعه وهو غريق في هذه البحور. سواء حين كان في عهد المشاغبات بين القبائل قبل الاحتلال. وحين كان في هذه الرسميات التي تقتضي شغل البال من جهتين: من جهة من انتدب ليفصل لهم خصومتهم والناس لا ينقادون للحق. ولا يريد كل واحد إلا أن يدار الدولاب إلى جانبه ومن جهة المراقبة التي تتوالي إليها الألسنة التي تبلغ عنه أخذ الرشا. وتقليب الحقائق. وتجسيم التافه من الأغلاط. فيبقى بين هذين الأمرين على مقال الجمر. فقال: إنني دائما أجعل لنفسي جزءا كبيرا من الليل انفرد فيه بربي. فأتلوا القرآن. أو أذكر اسم الله العظيم الأعظم. فسرعان ما أجد مني صفاء جديدا. وقوة تنبعث من جوانحي أقدر بها أن أجابه كل الصدمات. ثم إنني مع كل هذا لا أزال أخاف أن أمضي كل عمري في هذه الحالة المنكرة. وطالما رفعت يدي أطلب من الله إن كان هذا هو كل ما يمضي فيه العمر أن يقرب الأجل. فالموت ولا حياة كهذه. ويا طالما تكدرت كلما رأيتني في المنام أزاول مثل الذي أزاوله في اليقظة. كالحساب وفصل التركات. وتقسيم الأموال. فأستفيق على حالة لا يعلمها إلا الله.
أكتب كل هذا وقد غادرنا المترجم اليوم 26/12/1359 هـ. بعدما قضى عندنا أوقاتا طيبة. وقد كاد يطير سرورا بإفلاته من الربقة. وقد قال: إنني الآن والحمد لله. وجدت لي وقتا أناجي فيه ربي. فمذ نفضت يدي من ذلك كنت أختم كل يوم ختمة من القرآن شكرا لله. وقد راجعتني والحمد لله لذة القلب. وطاب لي ثانيا الوقت. وذلك كله بفضل الله الذي لا أؤدي شكره على هذه النعمة العظيمة.
بقايا أخرى من أحواله
إذا أمعن القارئ بصره في كل ما مر. يعلم أن الرجل من الأفذاذ. ومن الجبال الرواسخ في دينه. فإنه وإن صادمته أعاصير قاصفة. وتلاعبت به زوبعات عاصفة. لا يفتأ راسخ القدم في جانب ربه. لا ينجرف مع السيل الجارف باطنه. وإن كان ظاهره تعتريه أحوال. وقد كتب له النصر دائما