الصفحة 5019 من 9223

وقد حدثني أنه حين كان في المدرسة (البعمرانية) مشارطا جاء إليه الفقيه سيدي الحاج الحبيب. وقد هرب يوم الاحتلال من مشارطه بمدرسة (تاكوشت) من (آيت صواب) فأرسل حين حل بـ (آيت باعمران) إلى رئيس (أنمستيتن) أن ينظر له هو وأهل قبيلته محلا يسكن فيه. فما سمع المترجم ذلك حتى حملته الحمية والغيرة على أن عرض عليه أن يتنازل له عن المدرسة فإنه أحرى بها منه وأولى. فشكره على ذلك. وأعلمه بأنه على أهبة الحج. وهذا الفعل يقل من يصنعه من الفقهاء. ثم لم يكن بينهما قبل ذلك تعارف تام. وبأمثال هذه القضايا يظهر مقام الرجال. فبالإيثار. خصوصا في وقت الافتقار. تعلو الأقدار. وتدرك الأسرار.

ومن مظاهر أحواله أيضا خفة الروح. فإنه ليس بالمتزمت. بل كان يباسط وتأخذه الأريحية. وبهذا الخلق كان يحرز خصل السباق حتى في

السياسة. حين كان يشتغل بها. لأن من يألف ويؤلف هو الذي يستحق أن يكون سياسيا ماهرا. خصوصا إن كان ذا قوة روحية. وبهذا الخلق كان أيضا من السباق في التصوف. ولخفة الروح وأريحية النفس نفع عظيم في كل الميادين.

ومن مظاهر أحواله أيضا التواضع الكثير الذي اقتبسه من التصوف حتى كان فيه جبلة. فإنه لا يتعالى لا في كلامه ولا في لباسه ولا في أي شئ. يذكر كل الناس بخير. ويعتقد الخير بالظن الحسن في الفقهاء والفقراء وإخوانه في الطريقة وغيرهم على السواء وهل هناك خصلة أعظم من التي تؤدي الإنسان إلى أن يكون له حسن للظن بالله وبعباده أجمعين. لاسيما في وقت تفرق فيه المسلمون طرائق قددا بسبب الطرق الصوفية. حتى صار كل واحد لا يحسن الظن إلا في الذين شاركوه في طريقته. فنعوذ بالله من الذين يتخذون المسلمين عضين. ومن الذين يحسبون أنهم لا يربحون إلا إذا اعتقدوا أهل الله عزين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت