فهرس الكتاب
كان الشيخ يحدثني بهذا من دار الفقيه إلى أن وصلنا قرب باب الزاوية ولم يتم ما يقول بعد فجلس على حجر حتى أتم الحديث هكذا ولم يزد ولم ينقص. ثم قال: إننا ودعناك لله فقم وتهيأ الآن فأخرج حمل البغلة ثم نادى مؤذن الزاوية فأمره أن يأتي بثلاث قفات من التمر فوضعها الشيخ نفسه بيده في الحمل ثم أراد أن يخيطه فقال هل عندي المخيط؟ فقلت: لا, فقام إلى كوة فتناول منها مخيطا وتناول حلفاء ففتل منها بيديه حبلا متينا بكل سرعة ثم خاط الحمل بيده فودعنا وأمرني أن أذهب إلى السياحة في (أصبويا) فعلمت أنه لا يريد مني أن أتداخل في أمثال تلك القضايا بين العلماء وأن أحسن في الجميع الظن في الذي يتوصلون به وراء القضايا وأنه حظهم حين لم يكن لهم نصيب من بيت المال وأن أجرتهم على أرباب القضايا. قال هذا من الشيخ كشف صحيح بلا ريب لأن رسوله وصلني في اليوم قبل أن يعلم أحد بالقضية. (أقول) إن عمل الشيخ بيده في كل الشيءون عمل عادي يعرفه منه كل أحد وإنما استغربه الحاكي لأنه حديث عهد بالشيخ.
قال: ومثل هذا من كشفه الصحيح عن أحوالي من بعيد أن والدي قال يوما إنني كثيرا ما أتمنى أن تبنى مدرسة علمية في قبيلة (تاجاجت) في موضع (تينكرتيل) والآن قم بنفسك فشرعت في مزاولة ذلك حتى كاد الأمر يتم بالبناء وبجمع الحبوب فيها وفي الحين جاءني رسول الشيخ أن آتيه وقد قال للرسول: إن أصبحت عنده فلا تبيتوا وإن بت عنده فلا تصبحوا. فقال لي لما مثلت بين يديه: إنني لا أريدك لبناء حجر على حجر فلذلك رجال آخرون ولكن أريدك لتصفية القلوب وبنائها على التقوى والإصلاح بين العباد وبين ربهم فتبنى في كل صدر مدرسة. ثم قال: أرأيت عملك هذا في تلك البنية ما مثله إزاء ما نريدك له إلا مثل التاجر الضعيف من اليهود حين يصفف أمامه شميعات ووقيدات افتراه يتجر فيربح ربحا ككبار التجار فلا أكبر ولا أعظم عند الله كتوجيه الناس إلى ربهم وانتشالهم من الغفلة.