فهرس الكتاب
رأيت أن والده وعلماء تلك الجهة قد اعتنقوا كلهم هذه الطريقة فنشأ المترجم على هذه الفكرة الصوفية العميقة فلم يكد يفرغ من الأخذ بالمدرسة حتى اكتسى حلة صوفية غريبة نبذ بها كل شيء حتى التكسب المباح الذي يعتاده كل رفقائه من أصحاب الشيخ الإلغي وذلك إرث عن والده الذي كان دائما من المخفين حتى لاقى ربه من غير أن يتلبس من الدنيا بشيء وفي الحديث: فاز المخفون.
حكى سيدي إبراهيم البصير قال: رجعت مرة من جولة من (بعمرانة)
قبل أن آخذ عن شيخنا الإلغي الأكبر ومعى كعادة المرابطين جلب يضم نحو سبعين رأسا من الغنم فمررت وأناسا معي يسوقون الغنم أمامي وأنا على فرسي بخيمة إزاء الطريق فذكر لي أنها خيمة سيدي محمد بن بوسلهام فرفقت لحاله لأني أعرفه خاوي الوفضة لا يملك ذواقا فأحببت أن أسلم عليه ولكن خفت أن يتكلف لي لأن معرفة أبيه معنا لا تزال مستمرة فأمرت بكبش كبير فعزل من الغنم فذهب به أحد أصحابي فوقف إزاء الخيمة فصار يناديه فأبى أن يخرج فأخبره صاحبي بأمري وإنني أرسلته إليه فقال: اذهبوا بحرامكم الذي تكففتموه من الأيدي وبعد أن راده صاحبي وأبي أن يخرج أو أن يقبل الكبش أمرته من بعيد أن يربطه بطنب من أطناب الخيمة فحين ولى صاحبي وقد سرنا أمامنا إذا به خرج فقطع الحبل فجرى الكبش حتى وصل الغنم فأمرت به ثانيا فذهبت به بنفسي فوقفت أمام الخيمة فناديته بقلق حتى خرج إلي وقبلت رأسه فقلت: إنني كنت مررت رفقا بك لئلا تتكلف ولكنني الآن جئت إليك لتذكر لي بأي دليل تستدل على عدم قبول ما قدم إليك لوجه الله فعاتبته حتى قبل الكبش فخرجت قرينته تعتذر إلي ثم وليت وحين انخرطت في الطريقة الإلغية وصرت أتعالى عن الجمع من أيدي الناس تكففا قال لي: الآن أقبل منك كل شيء تقدمه لي وقد أدركت الآن ما هناك من أسباب مقام التكفف.