فهرس الكتاب
الشاقة لا يرثى على نفسه ولا يأخذ في ذلك بالهوينى وقد حكى أنه كان يوما تهيأ في الزاوية للبناء هو وفقير آخر من غير أن يعرفا كيفية البناء فكانا على الجدران يمدان خشب السقف تحت أعاصير مزلزلة من أعاصير (إلغ) المعروفة. كان يحكي ذلك بلذة وذلك ديدنه في خدمة شيخه يرى أن تلك الخدمة باب من أبواب طاعة الله قال: كان الشيخ دائما يجشمني مشاق الزاوية في المواسم وفي غيرها ويقول لي هذه عبادتك أنت. قال: فأجد في ذلك كل رحمة في أعماق قلبي فاستلذ كل ما نيط بي كأنه لا مشقة فيه ولا عَنَت.
فلو أمرت ليلي أرى منزويا *** على أم رأسي قمت في الحين راضيا
قال: ما سمعت قط من الشيخ أي ثناء علي ولا أية قولة ترتاح إليها النفس وإنما أسمع منه الكلام الغليظ المخشوشن كما هي عادته مع أصحابه فلا يرون منه إلا حفز الهمم وشحذ العزائم وقهر النفوس والحمل على الصالحات ثم عدم الالتفات إليها. وقد وقعت له مع الشيخ وقائع عدة تدل على اعتناء شيخه به وعلى البركة التي تحصل له ببركة الفقراء.
قال: ورد على الشيخ وأصحابه يوما وليس عندي إلا عنزة واحدة ولا تحت يدي إلا صاع من شعير وأصحاب الشيخ كثيرون جدا كما هو معتاد في طائفته التي يسيح بها فتسلفت من عند جارة لنا صاعين ثم أنعم الله علي بأن أعانتني بأربعة آصع أخرى فقمت من ذلك بضيافة الشيخ وأصحابه بفضل الله مع أن الوقت كان وقت مسغبة شديدة.
وحكى أيضا أنه أصبح يوما ولا ممضوغ في داره وقد أرخت المسغبة سدولها على الناس فرأى فيما يرى النائم أن الشيخ يقول له: اذهب إلى فلان - أحد جيرانه الأغنياء - فإنه فتح مطمورة زرعه قال: فحكيت تلك الرؤيا لزوجتى فقالت: إن فتح مطمورته فإنما يفتحها لأولاده وحدهم فلم ينقض النهار حتى جاء إلى ذلك الإنسان وسلم إلي بستانا له كثير الخضر لا قوم له فيه وأطعم منه فكفاني الله المئونة بذلك البستان وبما فيه.