فهرس الكتاب
من هذه المراسلة نعلم الوقت الذي تتبدل فيه أحوال الفقيه العلامة المدرس المستفرغ جهوده في الأبحاث والنوازل، ومجاذبة أقرانه إلى أوصاف أخرى سيكون بها الناسك المتبتل الورع المتقشف الصوفي الملح على نفسه بكل ما يأمر به الصوفية ليستوي على المكانة العليا في التصوف، فإن ابن مسعود هو ذلك الذي لا يقنع في مقامات التصوف إلا بالمقام الأعلى الذي يتذبذب دونه كل مقام.
ملاقاته بماء العينين:
بالعيس عج يا شاكي العينين *** للشيخ قطب الوقت ما العينين
واخلع فديتك ثوب غفلة ما مضى *** ترد العلوم الزهر من عينين
عين الشريعة والحقيقة ويك هل *** تخفي شموس ضحى لذي عينين؟
يا رب عبدك قد ألم ببابه *** مستشفعًا في رفع كل الحين
ومقدمًا عطر الثناء هدية *** بدلًا عن الفاني الحقير العين
بهذه القطعة تقدم الأستاذ ابن مسعود إلى الشيخ ماء العينين، وهو نازل مع أصحابه الكثيرين بين ألفاف الزياتين بين يدي المدرسة (البونعمانية) في إحدى ممراته إلى الحمراء حين كان الوزير أحمد بن موسى يفرش له وجنتيه تواضعًا، فما بالك بمن دونه، فنال الشيخ منزلة سامية كان دائمًا فيها منذ كان مثل إمام المولى عبد الرحمن فابنه محمد، فحفيده الحسن، فابن حفيده اليوم عبد العزيز، وكانت مؤلفات الشيخ مطبوعة مشهورة، وفيها علم جم، وكلام صوفي عظيم القدر وأسرار منشورة، فهذا ما حدا الأستاذ ابن مسعود حتى طلب الانخراط في طريقته، وأن يجعله إمامه في التصوف، وكان ابن مسعود أكثر من مطالعة كتب الفن، فعلم أن التصوف الاصطلاحي الذي يكون محوره هو التربية لا يكون مأخوذًا إلا عن شيخ حي من الأشياخ المربين بالتربية الاصطلاحية المشهورة عند القوم، فعزم على أن يضع نفسه أمام هذا الشيخ، لأنه مظنة هذه المرتبة العليا التي يقر الصوفيون أنفسهم أنها لا تكون إلا للنادر منهم.