فهرس الكتاب
حقًا استحال الأستاذ إلى ورع غريب مدعم بإخلاص يسره، ولذلك لا يطلع عليه منه إلا من يداخلونه، وكان من أستر الناس لحاله، فلا يكاد يظهر منه لأجنبي شيء، وكان إمام شيخه الإلغي مأمومًا له أتم الاقتداء، فلم يكن يخطو خطوة إلا بإذنه في كل شيء، حتى في البناء بداره، أو بيع حبوب، أو إعتاق رقبة، ولا بأس أن نورد الرسائل التي كتبها إليه شيخه جوابًا عن سؤاله أحيانًا، وأحيانًا يكتب إليه استنهاضًا، وهي التي أمكن أن تبقى لنا، وأما كل ما يكتبه الأستاذ إلى شيخه من الرسائل، فلم نقف منها على شيء ولو واحدة، والغالب أن ذلك كله أتت عليه النار، بين ملء أكياس من الرسائل، أحرقت إثر موته بيد إحدى نسائه، بحجة حفظها من أن نطأها نحن الصبية إذ ذاك، وفيها أسماء الله، فضاع غالب ما كان يرسل إلى الشيخ من علماء وقته، ومن كبار تلاميذه، فلذلك لم يبق إلا شعر الأستاذ يدل على ما كان يعتقده في شيخه، وإلا رسائل شيخه إليه، فقد حفظت حتى اتصلنا بها.
بعض رسائل شيخه إليه:
الأولى:
(عليكم أفضل مامنكم علينا من السلام والرحمة والبركة، أيها الأخ الصالح، والخل الناصح أبو عبد الله بن مسعود، الذي هو بكل خير عند الله إن شاء الله موعود، يعم جميع أحوالكم المرضية، وتفوح بنفحاته ساحاتكم الوردية، وتتروح روحانيتكم بريحانته العنبرية، وتفوح بشذا نشر أرواحها المسكية، ولترحل همة الفقير عن الحقير، فكل ما سوى الله حقير، وقد قال الإمام الششتري:
ومهما ترى كلالمراتب تجتلى *** عليك فحل عنها فعن مثلها حلنا
وقل ليس لي في غير ذاتك مطلب *** فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنى
وفائدة العقل أن يعقلك، ويمنعك عن الضلال عن مولاك، انظر إلى سيدنا إبراهيم، فهو الذي منعه عن الضلال، فصار يرقيه من الأدنى إلى الأعلى: فلما جن عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغًا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني 66/13