فهرس الكتاب
69/13 همته عن الأكوان، وطلب ذلك الشراب، فكيف لا يكون منبع عينك، لأنه كان قبل طلبه، وأحرى بعد طلبه، ولذلك تجد الأشياخ يشتاقون إلى المريدين، أكثر من اشتياق المريدين إلى الأشياخ، لأن الوالدين في مقام الأرواح، كالوالدين في مقام الأشباح، الأصل يشتاق إلى الفرع، أكثر من اشتياق الفرع إلى الأصل، وكذلك الله تبارك وتعالى فيما بينه وبين خلقه، وذلك هو وصف الله، ولذلك يظهر ذلك في العارفين بالله الذين اتصفوا بوصفه في قوله (1) (كنته) أكثر من ظهوره في غيرهم، ولذلك وجب الأدب معهم، وأتباعهم في أمرهم ونهيهم، أكثر من غيرهم، لأن الوالدين للأرواح يأمرون الأولاد بما هو الأصلح لهم في الدين والدنيا والآخرة، ولذلك قال الله عز وجل: {وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} ، ولا يتصور الغش في جانبهم طبعًا وشرعًا، لأن الطبع يحكم عليه الروح أن ظهر وصفه، وهو الحقيقة، والشرع هو الشريعة التي هي أصل الحقيقة وطريقتها، فهو نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء، وهذا المعنى سار في جميع الأشياء، حتى الأشجار لابد أن يجري ويسري الماء الذي شربه من أصله إلى فرعه، ولا يمكن منه الغش، وكذلك انتفاع الأصول بالفروع جار في كل شيء حتى الأشجار، لا تقطع الشجرة من ساقها لأجل فرعها المطلوب بل تحفظ وتعظم وتسقى، وذلك هو بركة الفرع عليها، وذلك عين المدد، وكذلك الوالدة، فكم من بركات عليها من أجل أولادها، وكم من أمداد تأتيها، حتى اللبن لا يكون إلا في الوالدة، وأما التي لم تلد فلا يمكن أن يكون فيها، فبقدر الاستعداد الذي هو الاحتياج الكامل، يكون الاستمداد الكامل، سواء أهل الحس وأهل المعنى حتى في العلوم الظاهرية والباطنية، فبقدر تعلق المحتاجين إليك تجري عليك، فهم حينئذ منبع عينك بلا ولا، فالله يكثر العدد، ويكثر المدد، بجاه النبي وآله،
(1) 30 ـيعني في الحديث القدسي: لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنته.