الصفحة 5419 من 9223

فحقيقية كان كل ذلك، وكان أدب الأستاذ مع شيخه عظيمًا في الحضور والغيبة، مستمدًا ذلك مما وجده عند كل تلاميذ الشيخ، لأنهم جميعًا تربوا تحت يده على نسق ما في الرائية الشريشية، حتى نالوا من الآداب الظاهرة والباطنة معه غرائب وعجائب، كما يستمد ذلك أيضًا مما طالعه من كتب الفن التي تجعل ذلك الأدب في رأس قائمة شروط المريد، فلم يكن يخطر خطرة حتى يستأذنه، ولا يتلبس بمجاهدة إلا عن إذنه، والشيخ يأمره بالتدريج، كما رأيت في تلك العبارة، ومثل هذه الملاطفة قليلة من الشيخ، حتى أن الشيخ نفسه قال لسيدي إبراهيم بن محمد بن اليزيد التازاروالتي: إن سيدي محمد بن مسعود، وسيدي إبراهيم بن صالح إنما رافقناهما بملاطفة زائدة، وأشار براحته كمن يحمل إناء من زجاج، ولعمري إن هذا يظهر من رسائله إليهما، ففيهما نفس لا نجده في غيرهما، لأن الشيخ يقل منه أن يثني على مريد من مريديه، لا في رسالة ولا في وجهه، بل ذلك منه معدوم، إلا في هذين، وما ذلك إلا لكونه يعرف من نفسيتهما أنهما لا يصلحان إلا بذلك، فكان ذلك حقيقة النصح التام لهما، فنجحا، وكان 73/13

74/13 منهما ما كان، وهذا يصدق ما قال كل عارفي الشيخ: إنه يربي كل واحد بما يليق به، وبما يمكن به نجاحه، وذلك مقام لا يهتدي إليه إلا من وفق لسياسة كبيرة، تستمد من السياسة النبوية التي يسودها هذا اللون العجيب الذي يعجز عن مثله السياسيون الدهاة، وإن أدركوا من المهارة، وقد ذكرنا ذلك مسوفي في ترجمة الشيخ كما تقدم، وفي (الترياق المداوي) ، وفي كتاب (من أفواه الرجال) ، كما ذكر ذلك المؤلفون في أخباره كابن مسعود، والطاهر السماهري، والتادلي ومبارك المجاطي.

حث الشيخ للأستاذ على الدراسة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت