فهرس الكتاب
كان من عادة الشيخ أن يهتبل دائمًا بالعلم وأهله، وأن يكون من أكبر المعاونين لمن يتوجهون تلك الوجهة، فذلك من أبرز خصاله، ولذلك كان يحرص على أن يرجع إلى المدرسة (البونعمانية) اجتهادها، فكان لا يشغل الأستاذ بالسياحات معه، مع أنه قلما يسامح كل من برز من مريديه من السياحة، لأنه يراها محكًا للمريد، وميدانًا فارغًا للفقير لينال فيه ما ينال، وكل ما يصنعه الشيخ مع الأستاذ: أن يكون معه أيامًا قلائل في (أزاغار) ثم يودعه إلى مدرسته، ثم لا يحب منه حتى أن يسيح على قبيلة أيت براييم إلا في العواشر، ويكون معه الطلبة، فلا تنقطع الدراسة، مع اتخاذه معاونين ينوبون عنه، أن دعته ضرورة إلى مغادرة المدرسة، ثم كان الشيخ يسرب إليه كل من يريد منه أن يتعلم، كما كان ينصح الطلبة متى حل بالمدرسة.
حكى لي حاك منهم أن الشيخ مرة أقبل من (أيت جرار) بطائفة المتجردين مع من انضاف إليه من الآخرين، ويكونون نحو: 150 فخرج الأستاذ مع الطلبة وفقراء (أيت براييم) ، ويكونون في جمع حافل يناهز مائتين، فلاقوا الشيخ في: (أيخف أيغير نْبونْعمان) قال: فثار الغبار إلى عنان السماء، وذكر الفقراء ذكرهم المنظم المرتل الذي يرسلونه بأعلى أصواتهم، ويطلقونه برنة واحدة، فكان مشهدًا مؤثرًا جرت فيه الدموع، ورفرفت فيه القلوب ونفحت فيه النفحات، يحكي ذلك بجمل مؤثرة مصوغة أحسن الصوغ مثل هذه، ثم في العشى بعد اختتام حزب المساء القرآني، افتتح أيضًا حزب الغداة حتى تم فسأل الشيخ عن سبب ذلك، فقيل له: حرصًا على أن يقرأه الجميع، لأن بعض الطلبة ينام صباحًا، فمال على الطلبة بلوم لاذع، ثم أمر الأستاذ أن لا تبقى بعد اليوم هذه العادة، وأية فائدة للعلم أن لم يصحبه علم، ثم صار يحث الطلبة على العلم، وعلى التفنن فيه، قال الحاكي: فكانت موعظة استنهضت الهمم، وكان له أثر باق بعده. 74/13