فهرس الكتاب
الجو بمذاكرة عالية مشتعلة إلى أن تنفس الصبح، لم 79/13
80/13 يذوقوا كلهم منامًا، والأستاذ إزاءه مطرق، فإذ ذاك قال الشيخ المقالة الصوفية المشهورة: (يسهل على الشيخ أن يوصل ألف مريد عامي في ساعة، ولا يسهل عليه أن يوصل مريدًا عالمًا في ألف سنة) .
ثم بعد الشروق ساق الشيخ الأستاذ مرغمًا إلى (أكلو) ، وهناك المتجردون سائحين، فركبا معًا، قال الحاكي: فذهب ذلك الأدب من الأستاذ، فصار يخاطب الشيخ وجهًا لوجه، كأن لم يكن بمن نعرفه أمس بأطراقه أمامه، ولم يزالا في مذاكرة، والشيخ يساهله ويراوده من بعيد، من غير أن يذكر له الموضوع أصلًا، كأنه لم يعلم بوقوع شيء حادث، فباتوا في (أكلو) ، وفي الصباح قام هنام مجلس وعظي عظيم ذرفت فيه كل العيون، ووجلت منه كل القلوب، حتى زفرت شوقًا إلى عوالمها، وفي وسط ذلك قام إنسان كبير السن، من أهل أكلو، فقال: إن هؤلاء القوم من يجالسهم لا ينتفع بنفسه في الدنيا بعد، قال سيدي أبو بكر بن عمر، أشهد أن كل من هناك بلغ به الحال ما بلغ من التأثر وسيلان الدموع، إلا ما كان من الأستاذ وحده، فإنه جامد كصخرة صماء إزاء الشيخ، كأنه مسلسل هناك رغم أنفه، وإلا فقد كان بوده أن يخرج، ثم ودع الشيخ الفقراء والأستاذ، وأمره أن يلزم الفقراء قليلًا، وقصده أن ينفعه ذلك لعله يتراجع، ولكنه ما كاد الشيخ يذهب حتى ذهب هو أيضًا لحال سبيله، ولم يزل مصممًا على ما صمم عليه، وقد وقفت للشيخ على كلمة أرسلها إلى الأستاذ إثر هذا الاجتماع بـ (أكلو) ، يذكره أيضًا بمثل ما يذكره الفقراء الحاضرون، وسترى ذلك في رسالة ستأتي قريبًا.
ذهب الأستاذ إلى المدرسة، والشيخ إلى الزاوية بإلغ، ويعلم الله ما يتحمل في قلبه من الشكوك واضطراب القلب، ثم بعد حقبة غير كثيرة، والأستاذ منكمش عن الفقراء، والفقراء يتشككون في انكماشه، ولا يدرون السبب، لأن أخبار هذه الحادثة كلها سرية.