الصفحة 5443 من 9223

طمح ابن مسعود أن يكون من النجباء بين تلاميذ والده، فكان له ما أراد، ثم طمح أن يكون أنجب نجيب، في أقرانه بسوس، فأكثر من الأساتذة واتصل بكل من أمكن له، فأخذ علومًا، واتصل بإجازات، فكان له ما أراد، ثم طمح أن يكون أستاذًا مدرسًا كبيرًا، وعلامة قاضيًا، ومفتيًا بارعًا، فكان له ما أراد، ثم لما ملك في ذلك كله الناصية، وبهر بمعقوله ومنقوله، وبرع في فتواه وتأليفه، زهد في ذلك أيضًا، فطمح إلى أن ينال الشهرة الروحية، فأقبل ينشدها عند أربابها من الصوفية، فأفنى في ذلك ماله وجاهه، وكل أدوات علمه التي اشتهر بها، كالإفتاء والقضاء والإكباب على التدريس، وألح في الطلب، حتى وجد طلبته عند شيخه الإلغي أخيرًا، بعدما كاد يخيب، ولكن حظه لا يزال آخذًا بيده، ثم لم يكفه أن يستأثر بما حصل عليه، فطمح إلى أن يكون له ما رآه من مجد كبير حول شيخه، في رتبة المشيخة، فاندفع إليها، وكان أحق بها وأهلها، ومثله من يزين تلك المرتبة، ويحفظ ناموسها، غير أن أجله خانه أخيرًا، فانقطع حبل حياته، وهو في أعين 89/13

90/13 أتباعه فريد وقته، وإمام عصره، لا يرون معه ثانيًا.

كذلك مضت حياة ابن مسعود المتقلقلة، وهي كلها حياة مفعمة بما تفعم به حياة كل رجل فذ مخلص لما يعمله، ولولا أنه رجل عظيم، قائم بجلائل الأعمال، لما وجدنا من ورائه سمعة خالدة، وآثارًا وفرة، وأفكارًا حية، وتآليف تنادي أنها صدرت عن بحر علم خضم.

سمعت الشيخ سيدي إبراهيم بن صالح يقول: كنا نسمع من قديم أن علماء سوس أربعة اثنان مسنان، واثنان شابان، فأما المسنان: فالحاج أحمد الجشتيمي وابن العربي الأدوزي، وأما الشابان: فابن مسعود والمحفوظ الأدوزي.

وقال فيه شيخه الإلغي: لو انقطع العلم في سوس، ودرست أطلاله لقدر سيدي محمد بن مسعود أن يحييه وحده، وهي مقالة جديرة بالقبول وصدقها الواقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت