الصفحة 5468 من 9223

أخبر الحارث بن همام قال: خرجت في بعض الأسفار في صحبة فتية من الأخيار، كأن وجوههم الأسفار (1) تتبلج من بشاشتهم سواطع الأنوار وتتعطر من أخلاقهم أرجاء تلك القفار، ما فيهم إلا صادق ود، حافظ عهد، كريم عرق حليف إخاء وصدق، لابس تقي ومبرة، جالب لكل طرفة ومسرة (2) كاف في المهمات، ثقة في الملمات (3) ، يزين جليسه ويأتيه، ويبره ولا يلاغيه (4) ، إن صمت فطود وقار وسكون، وإن تكلم فمفيض آداب وفنون:

من صحاب ينسى الغريب بلقيا *** هم عزيز الأوطان والأوطار

بحوار ألذ من رشفة الرا *** ح ووصل الخرائد الأبكار

فجلنا في بعض الأيام في ميدان الشعر، وتبارينا في المساهمة بقداح الفكر (5) في مطارحات تنبئ عن صفاء الطويات، وخلوص السرائر والنيات، فجرى بنا الحديث الذي هو شجون (6) إلى استمطار أنواء (7) القرائح، بأنواع مداعبات تسلي المحزون، وتنهى عن محاسن ليلى توبة المجنون (8) وتثير من الصبابة ما لا يخل بأدب، ولا يقدح في ديانة ولا يقضي إلى عطب، واندفع كل منا يعمل جهده، ويبرز من لباب ما عنده (9) في معرض غزل 108/13

(1) 55 ـ أسفار الصبح انتشار ضوئه.

(2) 56 ـ الطرفة من كل شيء: ما يستحن ويفرح به لندوره، كالفاكهة في أول أبانها.

(3) 57 ـ الملمات: الحوادث النازلة بالإنسان.

(4) 58 ـ من اللغو أي الكلام الذي لا فائدة فيه.

(5) 59 ـ المساهمة: هو ما يسميه عامة العرب عندنا اليوم بضرب العود، وكان العرب يعمد كل واحد منهم إلى قدح بكسر فسكون (سهم بلا ريش) من كناته فيلقيه، ثم إن استخرج أحدها يعرف لمن هو، وجمع القدح قداح بالكسر.

(6) 60 ـ الشجون: الطرق في الشعاب ج شجن بالفتح فالسكون، يقولون: الحديث شجون أو ذو شجون أو فنون.

(7) 61 ـ الأنوارء: ج نواء: النجوم يكون المطر معها إن أراد الله.

(8) 62 ـ توبة بن الحمير من العشاق المشهورين، ومحبوبته هي ليلى الأخيلية المشهورة بالشعر.

(9) 63 ـ لباب الشيء ولبه بضم اللام فيها والخالص منه الصافي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت