الصفحة 5485 من 9223

بجدتها، ومن ذا الذي يكون في أقرانه أبا عذرتها إن لم يكن هو أبا عذتها، قد وفى رحمه الله للعلوم حقوقها، ونفق باجتهاده سوقها، إلى ضبط متقن بيديه في تدريسه وفي طرر كتبه، يرتفع به الآخذون عنه، كما يرتفع به كتاب طرز به، أبدى ذلك قدر فكره وأعلن، وأشاد له به من المجد الخالد التاريخ ما لم يشده لمن ومن، خرج طبقات كثيرة، ملأت كل تلك النواحي علومًا، كما ألف عشرات من المؤلفات النفيسة التي انتخل لها منطوقًا ومفهومًا، وكل ما مسته يده من المؤلفات بالإجادة يعلم، وطرازه بحسن فهمه منمنم، وهذا اشتهر به كله في صقعه شهرة (قفانبك) بأمرء القيس، لا يمكن أن تجد من ينفيه عنه بلا ولابليس، ذلك كله مع دين متين، ودر ورع ثمين، وخوف من مراقبة ربه عز وجل، ودمع عند مناجاته منهل، وحب لمولاه خلب قلبه، وفل في معارك الطمع غربه، دهم عليه ذلك على غرة، بعد أن كان في جبين القضاء، وكل ما عرف به أبلج غرة، وقد كان قبل معروفًا بأنه متعال إلى أن يستبد بنوازل كل تلك الجهات، مستنكف أن يزاحمه من أقرانه من لهم 123/13

124/13 مثله اهتمام بتلك الجهة من الأعلام الدهاة، فكان معهم في نقض وإبرام، ودفاع وهجام، فكم حكم حرر وأبرم، وحكم لغيره نقض منه المبرم، وذلك كله لما له من الاطلاع الواسع، الذي لا يوجد بين أقرانه من هو له عن تلك المرتبة العليا مدافع، وبينما هو من ذلك في سكرة، معملًا في ذلك وحده فكره، إذا بداعي الفلاح يدعوه لعلو الهمة، ويأمر بإلهام رباني أن يغادر تلك الحالة المدلهمة، فدب إليه استيحاش من الناس أولًا، حتى يهم أن يقطع الضيافة لكل أحد على كرمه متأولًا، فلم يلبث أن اندمج في حالته الجديدة، بخطوات واسعة غير متأنية ولا وئيدة، فنسي الإخوان والأولاد، وملأ أوقاته بكثرة التهجد والصيام وموالاة الأوراد، فانشرح باطنه حين تبلج له عين المراد، فعادت أوقاته كلها عين المواسم والأعياد، خامره حب مولاه، فطرح كل ما سواه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت