الصفحة 5487 من 9223

وابيض غرابه، فتمنى أن يكون في بحور العارفين من الغارقين، واشتهى أن ينخرط في سلك العارفينن فهبت عليه تترى من ذلك الحمى نفحات، وتوالت عليه شطحات، فلما توالت عليه هواتف الحق، وملك عليه عواطفه تحرى الحق، واستنشق حينًا بعد حين ريا أهل ذلك الحمى، وغازلته فترات عيون من هناك من الدمى، اشتاق إلى دليل خريت (1) يدله، وساق ينهله ويعله، ويفتح له بمصاحبته الباب، ويقيم له الصلاة المطلوبة في ذلك المحراب، وقد كان عرف من كلام أرباب ذلك الفن، أنه لابد من شيخ حي عليه بالوصول إلى مأموله يمتن، يمده بصارم يشهره في وجوه القواطع ويسله، ويدفع المريد بساعد قوي في لحظة يوصله، فعزم أنه إذا وجده يجعل في يده زمامه، ويلازم حجره ومقامه، ويستدر بخدمته غمامه، ويصيره أمامه، ويتخذه في صلاة العارفين أمامه، ليستنير بنوره، ويعتصم بسوره، فاشتد أوامه إلى طلبته، وعطش كثيرًا إلى أن يهدئ بلقياه من غلته، فتمادى شغفه، وطال عليه بأعوازه لهفه، فألقاه القدر بالشيخ ماء العينين، الذي كان تلقاه بكلتا اليدين، فتلقن منه ورده، ولازم حينًا صدروه من مائه وورده، لكنه قال: إنه لم يتيسر له منه المراد، وإن كان رضي الله عنه صاحب نظرات مشهورة وإمداد، فأقبل يدير عينيه ثانيًا في الجو تطلبًا لشيخ آخر، فجاور على تلك النية عند مشهد الشيخ سيدي أحمد بن موسى الذي يفخر في عهده كل من فاخر، فلما رجع من مجاورته إلى بلده، وتوسط بين عشيرته وولده، أتاه القدر الذي يأتي بالشر وبالخير، برجل يقال له الحاج أبو الخير، ممن يتعاطى طريقة الشيخ ابن ناصر، وممن يجلو على زعمه مرايا البصائر، فظن صاحب الترجمة أن الدعاء مستجاب، وأن غيم عوص منيته منجاب، فانكب على قدميه بكليته، وأهدى إليه درتي قلبه ومهجته، فلازم حضرته، ملازمة الكأس للحبب، والثغر للشنب،

(1) 102 ـ الخريت بكسر الخاء والراء المشددة: الدليل الحاذق الذي يهتدي إلى أخرات المفاوز، وهي مضايقها وطرقها الخفية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت