فهرس الكتاب
واختص به اختصاص الهام بالعمائم، وامتاز به بين معاصريه امتياز الأزهار بالكمائم، فقام وقعد في خدمته، وأحرم وطاف عند معبته، وذاق بوقوفه عند إشارته صابًا وشهدًا، ولاقى دون قضاء أمنياته سهرًا وسهدًا، ساح معه في قنن الجبال، وقاسى معه الصعاب العراض الطوال، وقد دل عليه كل أصحابه وأصحاب أبيه، فأخضع له رقبة كل وضيع ونبيه، ثم بدا له أن الفتى يهذي وليس بفعال، والمرض العضال تدل عليه النحافة وكثرة السعال، والبهرج ربما لا يخفى حتى عند الأوعال، فأقلع عن مرساه، وتلا خضره: (هذا فراق بيني وبينك) لموساه، فلما 125/13
126/13 لم ينقع له الأول ولا الثاني غلته، ولا داوى كل منهما علته، ولا فجر دمله، ولا أناله ما أمله، كاد يقنط من الوصول، ومن الدنو إلى من داره صول، لولا أن الله أطلع له بفضله ما أطلع، وأسطع له من (إلغ) ما أسطع، فأشرقت عليه شمس السول، وأدنت إلى يده صلة الموصلو فوافاه الشيخ سيدي الحاج علي الإلغي بما يبغي، وسره العلوي، بما ينوي، ووجهه الأبهى بما يشهى، ومحياه المتلألئ الأسرة، الفائض المسرة، بما كان يتطلبه مرة بعد مرة، فشاهد المرهم الشافي، وأتاه في داره ما كان قبل يقطع في تطلبه الفيافي:
*وليس الذي يطلب الوبل رائدًا *** كمن جاءه في داره رائد الوبل
فوضع يده في يده، وأدغم مفرده في عدده، فأقبل على درره يحلى بها لباته، وعلى كاساته المشعشعة يفرغها في لهواته، فصرخ بين الناس على رؤوس الأشهاد، إنني قد بلغت كل مناي من وصل سعاد، فشرع يبث دعواه في كل قبائل (أزاغار) حتى أنجد ذكره هناك وغار، فمالت إلى الشيخ الإلغي من تلك الناحية بسببه الأعناق، وتدفقت إلى بحره سيول الرفاق.