فهرس الكتاب
كانت الطريقة الناصرية هي الطريقة الوحيدة المشهورة في الجنوب، وفيها ظواهر وبواطن تأيدت كلها بالسنة، فلم يكن لكل ما يتخذ منها كشرط في الطريقة ظاهرة بدعية، ذلك مع اهتمامها بالعلم اهتمامًا كبيرًا، ولذلك تجد كل القائمين بالعلوم في سوس منذ قرنين: من الثاني عشر 134/13
135/13 والثالث عشر من أساطينها، ثم خطرت الدرقاوية، فكانت أولًا تلاقى بكل إنكار، لما لبعض طواهرها من غير ما ذكرناه عن سابقتها، فاجتهد سيدي سعيد المعدري حتى أمكن له أن ينخرط فيها بسببه: علماء ذكرناهم في ترجمته، ثم لم يكن ذلك لافتًا للأنظار كثيرًا، لأن الشيخ سيدي سعيد أمي، ولكن حين برز الشيخ الإلغي العالم الذي يقدر قدر العلماء، كما يقدر العلماء قدره، وقد ظهر بمظهر أخر أوضح من سابقه، فكان ينشر التوحيد، وما يحتاج إليه من العلوم في الناس بكل وسيلة، بالتآليف والوعظ والتعليم في القرى قرية قرية فيجعل للعامة من كل من يرقيهم غالب أوقاته في التعليم، فحين بدأ ذلك على يده من الطريقة الدرقاوية، تبدل موقف المنصفين إزاءها، لأنهم يعلمون أن غالب الناصريين المتأخرين لم يكن فيهم هذا الاهتبال بتعليم العلماء التوحيد لكل العامة بأية حيلة في المساجد وفي الأسواق، وفي المجالس الخاصة إلا نادرًا، وجل ما كانوا يعملونه: بث الأذكار والوعظ، وأما العلوم فالتلاميذ في المدارس فقط، فلذلك صار العلماء ينخرطون في هذه الطريقة الجديدة متأثرين بشخصية رئيسها الإلغي تأثرًا كبيرًا، ثم لا يكاد أحدهم يخالط ما يجال من الأذواق في تلك الطريقة حتى يحس بأن ذلك غير معتاد مثله في غيرها، فيظن أن ما كان يذكر في كتب القوم، لا يوجد حقيقة في اليوم إلا في هذه الطريقة الجديدة وبأيدي أهلها، فينزجون بأنفسهم معلنين لأصحابهم حقيقة ما وقعوا عليه.