الصفحة 5506 من 9223

كنت أنا والحمد لله ممن رابطوا إذ ذاك في (بونعمان) بعدما أخذت المبادئ في المدرسة (الإيغشانية) ، فنأخذ عنه النحو في (الألفية) واللغة في (المقامات) والفقه في (الرسالة) ، إذ نحن في الصفوف الثانوية على حين أن من فوقنا يزاولون الدروس العليا، وكان للأستاذ أخلاق انفرد بها، من صمتطويل وإيجاز في الدرس، ومزاولة لكل تلميذ بما يليق به، فكان يأمرني أنا بمطالعة شرح للامية العجم صغير، فأبيت عن أمره في بويت في مدخل (أحشوش) -مسكن الأستاذ -فيراقبني لأثابر على ذلك فكأنه كوشف بأنني خلقت للأدب، قبل أن أخلق لأي شيء آخر، وكان كثيرًا ما يتخولنا بالموعظة، ويحثنا على الاجتهاد، وهو يعاني منا شبابًا مرحًا، وطفولة مشبوبة، وخفة ونشاطًا، كالغزلة المقمرة، وقد يتكلم معنا فلا يشعر أحدنا حتى يفلت زمام نفسه من يده، فيتفجر ضحكًا، ثم لا يشعر الأستاذ أيضًا حتى ينجر مرغمًا إلى الضحك، لأنه كما كان سريع الدمعة، كان سريع الضحكة، لا يكاد يمسك ضحكه إن هبت عليه منه زوبعة، وكان كثيرًا ما يتولى الآذان بنفسه خصوصًا الصبح والعشاء، وكان مرة يعاتب الأخ أحمد، وابن أخيه أحمد بن محمد، ومعهما ولده محمد، فقال للأحمدين: إنما العيب كل العيب فيكما أن تأخرتما عن مقامات والديكما الشيخين الكبيرين، وأما هذا -مشيرًا إلى ابنه محمد -فإنما هو ابن المؤذن للعشاء أحيانًا.

كان إذ ذاك كثيرًا ما يوجد في بعض قباب مقبرة (بونعمان) نائمًا، 138/13

139/13 خصوصًا في الأنهر الحارة بعد انقضاء الدروس، وقد ورث عن والده محبة الزيارة للأضرحة، وأن يأوي إليها بمناسبة وبلا مناسبة، فإذا كان في (المعدر) فكثيرًا ما تجده في ضريح سيدي عبد الله بن سعيد المعدري -صاحب القبة المجهول التاريخ -وكان يحب العزلة جدًا، وأن يمشي وحده، اشتهر بكل ذلك، ومن أنس بربه وراقبه آنسه الله واستوحش من الخلق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت