فهرس الكتاب
140/13 إن زار زاوية شيخه، عن (تزنيت) وفيها ابن دحان، ثم الحاج عبد الرحمن الحاحي، ثم الكنتافي ثم الرحماني الأخير ثم رجالات الحماية، فلم يكن يرى فيها قط اختيارًا للسلامة من كل جهة، ولنفضه اليد من كل ما ينتفع به مثله لو مثل هنالك، فكان يمر إلى (المعدر) تحت سورها ذاهبًا وآئبًا، وهو غير ملتفت، وذلك وإن كانت المصلحة الشخصية تدعو إليه، لكن الداعي الأكبر هو ما جبل عليه من الانقباض عن كل أحد، فلم يكن يلتقي إلا مع تلاميذه ومريديه، وقد انتفع به في هذه الفترة مآت من الأزاغاريين، تنبهت به قلوبهم من الغفلات، وثبتت به أقدامهم في الطاعة لله أحسن ثبات، حتى نال عند أصحابه مقامًا ليس فوقه مقام، وهو في كل ذلك لا دعوى تؤنس منه، ولا مطمع يقاد ببرته (1) إلى موقف صغار، وموطن ظنة، وقد كان أصحابه يدعونه بالشيخ، ولكنه لم يغتر بذلك.
كانت أملاك له في (تالعينت) وصل ثمنها نحو: 6000 ريال حسنية،وذلك عند مثله إذ ذاك مال عظيم، لا يجتمع إلا بالاقتصاد سنين كثيرة متتابعة،وحين كان لهذا العدد قدر عظيم كان أحب مال إليه، ثم ترامى عليه فيها من لا يخاف الله من الرؤساء هناك، فاحتال عليه حتى توصل برسومه، ثم لم يؤد إليه ما كان دفعه في تلك الأملاك، من الثمن فصبر واحتسب وفهم عن الله، ولم يكن ليغضب منه لو طرق باب الحكومة، ولكنه يتبع الناقة زمامها خوف أن يجول حوله مار بما يكدر عليه نطفة قلبه، وقرارة نفسه، ونقاوة عرضه.
وكما أنه يظهر بهذا المظهر العالي بين العامة، تراه بين الخاصة منفقًا أحيانًا نفقة من لا يخاف فقرًا، فقد اجتمع مرة إخوانه من الفقراء يتذاكرون حول إشادة مشهد لشيخهم الإلغي، فقام بمائة ريال حسنية موكأة في خرقة فصبها بينهم، ومثل هذه العطية في سوس بمنزلة عشرين ألفًا في غير سوس، لمكان سوس من الاقلال الملح.
(1) 111 ـ البرة بضم الباء وفتح الراء، الحلقة توضع في أنف البعير لينقاد بها.