فهرس الكتاب
153/13 على يد الخادم خبزة من دقيق شعير جديد من أركان، فكنت لتلك النعمة شاكرًا، لا أزال أذكرها، وأية نعمة، وأية منة مثل الحيلولة بين المصارين وبين السغب، وكنت إذ ذاك صبيًا مدللًا، فراعتني من حيث لا أجد إزائي من يراعيني، فكنت إذ ذاك أرى صبيين ابنى خمس سنين، يقفزان أمامي وعليهما دراعتان سوداوان، وعلى أسرة وجهيهما ما كنت أحسبه إذ ذاك طهارة الصبا، وأنوار الطفولة، ولو كنت أعلم الغيب لأدركت أن في محيا أحدهما مع ذلك نورًا لماعًا مما تكنه خليقته من العبقرية النادرة في الأدب العربي، ثم صرت أمر بعد ذلك بـ (المعدر) ذاهبًا إلى (إلغ) وآئبًا، فكنت ربما ألقى أحد الطفلين هناك، كما ألقى أطفال المسعوديين الأبرار، فلم أكن أجد من الحسن المترجم ما يميزه إذ ذاك عن صنوه علي، أما لكون العبقرية لا تبرز إلا في الوقت الذي تبرز فيه الزهرة بعد استكمال الشجرة نموها الطبيعي، وإما لكوني إذ ذاك أيضًا ساذجًا، فحالت السذاجة بيني وبين تبين ما عسي أن يعلو جبين ذلك الطفل الذي خبأته الأقدار لتأتي منه بسوسي يرفع رأس سوس إلى أعلى عليين.
أخذ القرآن في المعدر وفي بونعمان وكثيرًا ما ينقطع عند والده هناك فيأخذ في مسجد قرية (أكرور) إزاء المدرسة، كما كنت أسمعه يحيكه.
وقد كانت له إذ ذاك جولات في ميادين الرياضة في الكرة والفروسية ورمي الأهداف بالرصاص، ومخالطة الأريحيين من الشباب القماص الهتاك لكل السجوف، ولكنه لم يطل عهده في ذلك، وللنشاط في ذلك الطور جذور في الرجولة التي يأتي بها الطور التالي.
أساتذته في العربية والأدب:
1 -والده الأستاذ، كان أكبر أساتذته، لأنه هو الذي أسس لمستقبله ما أسس.
2 -مبارك البعقيلي الأستاذ الكبير المشارط في مدرسة (أوخريب) ذكر أديبنا أنه أخذ عنه كثيرًا وقد كان انقطع إلى مدرسته ما شاء الله، ولكن ذلك لم يطل كثيرًا، (وقد ذكر مبارك بين أهله في هذا الفصل) .