الصفحة 5535 من 9223

159/13 ثم لم أنشب آخر ذلك الشهر أن تلقيت صدمة النفي فتلقفني (وادي نفيس) إلى (إلغ) حيث هذا المنفى السحيق الذي أكتب فيه هذا:

أخلاقه:

*يقولون لي صفها فأنت بوصفها *** خبير أجل عندي بأوصافها علم

كان الرجل غريبًا في أنفته التي ليست من نوع التكبر المذموم، كما كان عجيبًأ في معاشرته، ولم أر قط منه والله يشهد ما يسؤني مع الملازمة الدائمة، وأنا ما أنا في ضيق أخلاقي أحيانًا، فكان ألطف الناس بي أن شاهد مني مثل ذلك الحال، فيكون لطفه لثورتي بردًا وسلامًا، فإذا كنت سرعان ما أثور، فإنني أجده إزائي بنكته اللطيفة الحلوة خير أخ يعرف كيف يكبح من جماحي، وبغض من غضبي.

فلئن كان لأدائه دائمًا حضورًا وغيبة، فيا ويل من يمد إليهم لسانه من أضدادهم فإنه يلقى من مقلوه علقمًا على من صبه الله، ولا خير في وردة لا شكوة إزاءها.

تطور بسرعة من البداوة إلى الحضارة، فمن يراه يحسب أن لأجداده في حدائق فاس، ما لا بناء سودة ولابناء الفهري، وللضقليين ولأولاد ابن الحاج من مآت سنين، وكما تطور في هيأته وخلقته تطور في دماثة أخلاقه، فقد اجتمعت فيه نسمات الآداب، ونسمات الحضارة، فغادرته من ألطف ما تنظره العين، وتسمعه الآذن فتحلو معه المعاشرة.

كان من أوسع الناس صدرًا بين كل الناس، بعيدًا عن ثورة الغضب ما دام في وسطهم لكنه إزاء من يحس منهم غير الوداد، مرهف ماضي الشفرتين كالكهرباء، فبمجرد لمس زرها ينادي يا سلام يا سلام.

كادت أريحيته الأدبية تستبد به، حتى اشتهر بها وبفكرتها وباستحضار ما يليق أن ينشد فيها من الأبيات، فإن كان في مجلس خاص من بين من ينهتك بينه وبينهم الستر، تراه يكاد من خفة الروح يطير، ولا أستطيع أن أحصي كما كان ينشد قول الشاعر:

*في انقباض وحشمة فإذا *** صادفت أهل الوفاء والكرم

*أرسلت نفسي على سجيتها *** وقلت ما قلت غير محتشم

وينشد:

*يقول ابن عباس تهتك سترنا *** متى كان من ستر فينهتك الستر 159/13

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت