فهرس الكتاب
فبينما هو ينشد ذلك بلسان مقاله، إذا به مثله بلسان حاله، فبهذه السجية كان مقربًا إلى كل القلوب، فسرعان ما يألف ويؤلف، ثم هو مع ذلك من أحرص الناس على المروءة، وعلى تنكب ما عسى أن يؤثر في جلسائه من فلتات اللسان، فكان أزم الناس للسانه، وما ظنك بمن يكب على كتاب الإحياء للغزالي، أفلا يكون عفيفًا تقيًا نقيًا.
كان أذكره لأستاذنا سيدي المدني بن الحسني الرباطي، ثم لما رآه، وكان هو أيضًا من أكبر الناس أريحية، صادف منه ما كان في طبقته، فبمجرد ما لاقاني بعدما رآه بادرني بقوله: حقًا إن البونعماني لخليق بأن يوصف بما توصف به الطبقة العليا من الأدباء الأريحيين المرحين.
كان من أكثر الناس اعتناء ببزته، وبكل ما إليه حتى خطه، فإنه من أرفع الخطوط، يحتفل له، كما يحتفل لكل ما يصدر عنه، ولا يريد أن تقع منه العين ما استطاع على ما يؤاخذ به، فكنت كلما رأيت منه ذلك وفكرت فيه أتذكر ما قيل عن عبد المؤمن الموحدي الذي نشأ بدويًا، ثم لما انتشب في الملوكية والحضارة صار كأنما كان له فيها أجداد.
كان صريحًا أحيانًا إلى الغاية، فكثيرًا ما أعذله عن ذلك، فأقول له: يجب عليك ان لا تكون بمثابة هذا عند كل أحد، فيقول: ماذا عسى أن أصنع فهكذا خلقت، وليس لي ولا لغيري أن أبدل ما لا أحبه مني، ثم لم تزل به الحوادث حتى كفكفت من غلوائه، فكان أرعى الناس لكل أحد.
كان في مخاطباته ذا فخمية، يأتي بالألفاظ المكهربة للنفوس، غير أنه لا يأتي بذلك إلا عن اعتقاد لصفاء وداده، لأنه إذا ود، ود بكل جوانحه، فيري لمودوده كل مقام رفيع، وفي رسائله وفي مخاطباته طرف من كل هذا، حتى أنه ليؤثر في هذا الخلق، فلا أدري حتى أقع في مثله، مع محاولتي أن لا أكون هناك، وهذا من سحره، ولسحره عندي آيات بينات، ومعجزات خارقات، آمنت بالله وبسحر البونعماني.