فهرس الكتاب
في ذلك الحين قصدنا (أبزو) الفيحاء، ولما دنت الديار، ولاحت الجدران نرى رسلا تطل، ما بين آت وراجع، وواقف فوق تلك الهضبة المطلة على هاتيك الرياض، وكأنهم يبشرون بوصول الركب، وتمثل أسرتهم الوضاحة ما وراءهم من الحبور الطافح، في ساحة الانتظار عند المنتظرين وصولنا بباب الدار، والشوق يفعل بنا ما يفعل بهم.
*وأعظم ما يكون الشوق يومًا *** إذا دنت الديار من الديار
وصلنا باب المنزل الكبير، حيث يكون الاستقبال الرسمي، فوجدنا رب المنزل الأديب المحترم سيدي عبد الرحمن أمام المحكمة الشرعية، وهو محدق بخدام جنابه وأعوانه وأهل حاشيته، وجمهور كثير من الخصوم أصحاب التداعي ينتظرنا بكل اشتياق، وهناك طفح البشر والسرور على الوجوه، وتكون موقف يسيل مهابة واحترامًا واحتفاء نادرًا، وسرورًا عظيمًا، وقلنا لسم الله، فدخلنا الروض الجديد الأنيق، وبادرتنا نوافح الرياحين، كأنما أريجها من جنان الفردوس، وحيانا الروض بمنظره الخلاب، ومحياه الوسيم، وغدت الأطيار تنشد لنا من أشعارها الساحرة، ما يدل على تقديم التهاني بالوصول، وعلى الترحيب القلبي.
عند ذلك صدر الأمر بتعطيل المحكمة يومها، إعلانًا بغاية الفرح، فانفضت الخصوم، ثم أقبلنا على المسرات، كما أقبلت علينا بدورها، وصرنا نتجاذب من أطراف الحديث ما يلذ لنا، والجو قد خلا لنا (فبيضى واصفرى ونقري ما شئت أن تنقري) والدهر الخؤون وفي وصفا، والرقيب لا يهتدي إلينا سبيلا، والأرض كما شاءت الطبيعة، والسماء كما قال المنفلوطي وكما وصف (1) ، وكنا مثالًا للاستقلال بكل معناه
*برح الخفاء وصرح الوجد *** وبدا الذي ما خلته يبدو (2)
(1) 142 ـ فقد قال في نثر له: والسماء تكاد تقطر غضارة.
(2) 143 ـ مطلع قصيدة لسيدي الطاهر الإفراني.