الصفحة 5557 من 9223

ولا أنسى هنا منظرًا أرق وألطف من منظر كأس وضعتها في جدول وسط الماء، فترى الكأس بلونها الصافي في الدرجة التي لم يصل إليها 178/13

179/13 الأتاي في النصف الأعلى وترى الدرجة السفلي وقد وقع الامتياز بينهما بتخطيط الحبب الذي يحكي انتساق اللؤلؤ في جيد غادة غيداء، أو انتظام ثغر منضد لامع، يجري عليه رحيق الرضاب العطر.

*كأن كبرى وصغرى من فقاقعها *** حصباء در على أرض من الذهب

ذلك وطير صغير ملون الجناحين، لطيف الشكل يوشك أن يقع على الكأس يحوم حولها، كأنه مشغوف بلثم ذلك الثغر المجازي في الكأس، فيا ليت هذا الطائر الساذج الخالي صدره من لواعج الغرام، يتاح له أن يذوق لعس الثغر الحقيقي من وراء شفة لمياء (1) ثم يخبرني بعد ذلك: هل تبقى له حريته وسذاجته، أم يستطيع أن يطير في جوه مغتبطًا، ويؤول إلى سربه وإلى وكره المنفرد في أعلى شجرة باسقة كما يشا:

*كبر على من ذاق خمر رضابها *** و (وأقم عليه مأتما وعويلا)

*طوبى لمن جهل الغرام فؤاده *** (قتل الغرام كم استباح قتيلا)

أليس هذا المنظر مما يبعث شعرًا إذا شدا به شاد ينتشي به الكون، فيذهب هباء منثورًا بما فيه من العوالم والعناصر، أم المنظر هو الشعر نفسه، تقرأه الأرواح وتفهمه، ولكن لا تستطيع الخواطر أن تبوح به، وتلفظه إلى الوجود.

ولقد يتجلى فيه للفنان البارع منظر أبدع من الذي اخترنا فيه الجلوس والتمتع بكل ما يضمه من بواعث النشاط والاستلذاذ والتنعم، ولكن كيف يعبر اللسان عن معنى عجزت عن إدراكه عقول البشر، وحسب الأرواح الموصوفة بالإدراك أن تهتز له طربًا وتترنح.

(1) 161 ـ اللعس بفتحتين، وكذلك اللمي بتثليت اللام، سمرة في باطن الشفة تستحسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت