الصفحة 5558 من 9223

إنني أخاف على نفسي في هذه المدة الأخيرة، أن أكون أسير (أبزو) ويسلبني ما أرى فيه من أشتات المحاسن، ويسليني عن الحمراء ما حدث فيه من مقدمات المدنية المدهشة، تغدو وتروح بين أثاث عصري يخلب النهى، فتسمع كل وقت رنين (التليفون) وتصبح على سيارة فخمة لطيفة جدًا، بلونها الباهر وهي تناسب بلطافتها وفخامتها ما في (أبزو) من كل نوع فخم لطيف، وقد أحدثت في قلوب أنصار المدنية -كحضرة الأخ الأديب عبد الرحمن -كل نشاط، ولا عجب فإن لكل جديد لذة، وناهيك بـ (المذياع) الذي يتسلى به المتكئ في السيارة على أريكتها الوثيرة، وهي تطوي الأرض طيًا، ويخال ممتطيها أنه على متن ريح الصبا وقت السحر. 179/13

وأما الديكتاتورية الإخائية، فحدث عنها ولا حرج، وأتمنى لو يكشف لك الغيب فترى الاقتراحات كيف تكون، وأين قولهم: ضيف ويقترح، وما ذاك إلا من الأخوة الثابتة، حتى لأحسب نفسي: أنني ألقيت عصا الترحال في مسقط رأسي، بين أهلي وعشيرتي، ولله در أبي الطيب إذ قال:

*فكل امرئ يولي الجميل محبب *** وكل مكان ينبت العز طيب

وقد اقترحت علي زيارة بعض الأشخاص ممن ليسوا من الجنس، فقال لسان حالي: دون ذلك خرط القتاد (1) وقد خفت إن لبيت أن أدخل تحت قول الشاعر:

*وشبه الشيء منجذب إليه *** وأشبهنا بدنيانا الطغام

كلا، كلا، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، آه إن القرطاس كما ترى قد تم، مع أنني لا أزال محتفلًا شارعًا للقلم (2)

ذلك هو ترسل نابغة سوس الجديد، ومن ذلك يعرف القارئ أن المكاتبات من السوسيين دبت إليها وسامة الأدب الجديد، كما دبت المدنية إلى رياض (أبزو) كما قال كاتبنا البارع

(1) 162 ـ هذا مثل يضرب لبعد منال الشيء وصعوبة الوصول إليه، والقتاد: شجر بالبادية له شوك صلب مسنون، وخرطه: إزالته براحة اليد، وهي قابضة عليه مع شوكه.

(2) 163 ـ يا ليت القرطاس يمتد بين يدي أديبنا المحتفل، لنزداد استمتاعًأ بأدبه الغض، وعباراته الحلوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت