فهرس الكتاب
أما في الحنين إلى بلدته وموطن آبائه وأجداده، فإنك تراه يلقي عليه نظرة إشفاق وإجلال، لما فارقه لا عن قلى، ورحل عنه لا متخيرًا، ولكنها الحواضر، وما انطوت عليه من أدب على النمط الجديد، فانتشب في شصها ثم التفت يطمئن بلدته تلك على أنه سيبقى لها ما بقيت أنفاسه تتردد بين جنبيه، إنها أشواقه وتأوهاته يبثها في هذه القطعة التي لم نعثر إلا على هذه الأبيات الثلاثة منها، والتي لا شك في أنه لا يكاد يتم نظم عقدها حتى تشرف نفسه على ما تشرف عليه نفوس الشعراء في مثل هذه المواقف، يقول: 185/13
*وطني عليك تحيتي وسلامي *** ما أنت إلا منيتي ومرامي
*لا عن رضي فارقت أرضك نازحًا *** عنها ولكن شيمة الأيام (1)
*الله يشهد أنني لا أرتضي *** وطنًأ سواك لمؤئلي ومقامي
إلى آخرها.
وأما في معرض الغزل، فقد سقطت إلينا أيضًا هذه القطعة التي نظن أنها لم تتم بعد، فيما هو بين أيدينا، ويمكن أن تكون كاملة مع أخريات عديدات من نوعها في ديوان الشاعر:
يقول:
*سلوة القلب امنحي قرب المنى *** إن من طول النوى هذا الضوى
*لم أكن قبلك أشكو شجنًا *** لا ولا أفشيت ما القلب طوى
*غير أني مستلذ للضنى *** ليتني هل كلنا فيه سوا
*يا رعي الله أويقات لنا *** سلفت وفق اقتراحات الهوى
*فبنا الكون غدا مبتسمًا *** وبنا الدهر عن الجور ارعوى
*أن خلونا لم ندع مكتتمًا *** بعضنا للبعض في الحب روى
*اتخذنا من نسيم شيما *** وسرى منا له فرط الجوى
*فكأنا فوق عرش كلما *** رفرف الحب بخفاق اللوا
نعم ما أصح رواية بعضهما للبعض، وما أشد وقع ما يسوقه خبر الواحد منهما للآخر، فإن كان سوغه أبو حنيفة، فقد أوجبه شرع الهوى.
نتف أخرى حوله:
(1) 169 ـ يقول ابن عنين: فارقتها لا عن رضا وهجرتها لا عن قلى ورحلت لا متخيرًا.