الصفحة 5572 من 9223

نظيرهم، بل يعد نفسه أصغرهم، ويرى أنه ليس قط شيئًا مذكورًا، ولم يزل قائمًا على الساق في ذلك إلى أن قضى نحبه.

أخلاقه:

كان رحمه الله في التواضع غاية الغايات، لا يحوم حوله ما يدل على أنه عرف علمًا، أو درس فنًا أو كان يومًا من الأفذاذ الكبار المشار إليهم من تلاميذ سيدي مسعود، أو صار كما هو ديدنه أستاذًا من أساتذة المدارس، المستفتين في كل ما يعن للناس، فلا يفارق شملة خلقة أو جديدة غير نقية، والسبحة الغليظة في عنقه، والعكاز في يده، والحمار فقط مركوبه أن احتاج إلى الركوب، وكان له خلقان متباينان بين المجامع، فأما مع الفقراء فإنه أحدهم لا يتميز عنهم بشيء، ولا يتظاهر بذوق خاص، أو أن له خصوصية 191/13

نالها بضم العلم إلى التصوف، فهو صموت ذاكر ذكر الاجتماع، وذكر الخلوة، فيتهجد كثيرًا، ويطيل محاسبة نفسه خاليًا، وأما مع بعض مخالطيه الذين كان نشأ معهم من الصغر بين ملاعب الأتراب، ثم في المدارس حيث يسدر الطلبة عادة في غلوائهم، ترتفع الكلفة بينهم، ويظهرون فيما بينهم كما هم من غير قناع ساتر، ولا حائل يحول العين إلى غير ما كان عين الخلق الثابت، ثم مالوا معه بعد ذلك إلى التصوف، فمشوا في كل ذلك بخطا متساوية فإنه متى خلا معهم ينبسطون غاية الانبساط، ويطلقون الأعنة إلى غاية بعيدة، وقد كان له مع قرينه الأستاذ سيدي أحمد بن مسعود والشريف سيدي إبراهيم بن محمد بن اليزيد التازاروالتي مجالس من هذا النوع، متى كانوا مجتمعين وحدهم عند أحدهم، فإنهم يتبارون في التهام كل ما قدم لهم، فيملئون أكفهم من العسل والسمن، كأنهم يتناولون ملتوت العصيدة، ويمعنون في ذلك إمعانًا، ثم يقترحون على من ينزلون عليه منهم الذبائح، تترى وما إلى ذلك مما تمليه الأريحية والفكاهة النزيهة بين المتصافين من الأقران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت