فهرس الكتاب
كذلك كان كثير البكاء في الخلوات متى ناجى ربه، وحاسب نفسه، بعد أن يكون كثير الضحك مع أمثال قرنائه هؤلاء، فهكذا الرجل، خشوع كثير، وصموت مع الإطراق، وسكون بين الفقراء، كما كان له رفع الهمة والإنزواء إزاء العامة، ثم له الطهارة الدائمة من طيب المعاشرة مع كل واحد، وعدم التظاهر بما يلفت إليه الأبصار من التخشع المتكلف، والإطراق الزائف في الطرقات بل كان دائمًا على الحال المحمودة من الوسط بلا إفراد ولا تفريط، ما لم يغلب على حاله، ذلك هو سيدي إبراهيم كأنك تعاشره.
نكبته:
كانت إصابته نكبة عجيبة أتت على كل ما يملكه، وما كان أثله، وسببها أن ابن دحان القائد الشهير في (تزنيت) كان بلغه أن بعض الناس تطلب من المترجم أن يكتب له رسالة إلى القائد بشيء، فتأبى له هذا، وربما أبلغ القائد أنه قال كلمة كبيرة في جانبه، فاستفزه، فأرسل أعوانه على نية أن يعتقلوه، ولكنهم لم يجدوه، وقد كان في بونعمان ذلك النهار، فنهبوا متاع الدار، وساقوا غنمه، وقد حكى لي رحمه الله أنه كان راجعًا آخر النهار، فلاقاه الخبر في الطريق، فتنكب الطريقة المعهودة، إذا بالأعوان قد ساقوا الغنم، فمال إلى صخرة خارج الطريق، فجلس تحتها مختبئًا قال: فمرت غنمي إزاءي، وقد أطل على منها تيس كبير يحرك رأسه، كأنه يقول لي: هذا مآل الدنيا، وهذه عقب المال الذي لا ينفق في سبيل الله، يقول لي: ذلك حاكيًا، وهو يتبسم على عادته في المباسطة معي، فبذلك نجاه الله من 192/13