فهرس الكتاب
193/13 الاعتقال، فتشتت كتبه ومتاعه وكل ما في داره، ثم لم يتمكن إلا في استرجاع بعض الكتب، وقد ذهبت رسائل من الشيخ كان يكتبها إليه فيما ذهب، وكانت هذه النكبة سنة 1332هولم تبق له باقية، لا متاعًا ولا حبوبًا، ولا راغبة ولا ثاغية، فإذ ذاك شارط في المعدر فقدر أن يؤسس للحياة من جديد، ثم راجع (الساحل) حيث أقام ثانيًا إلى أن انقضى عمره، وهذه النكبة وإن كانت ماحقة لم تؤثر فيه بشيء، لأنه جبل راسخ بل كان يدرك أنها من الامتحانات التي يمتحن بها الله عباده، ومن الفتن التي تصيب المؤمنين دائمًا، {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} ، وثباته هذا وحده يدل على معرفته لربه، وأنه يؤمن بالقدر خيره وشره.
مع مؤلف هذا الكتاب:
كنت أعرف اسمه صغيرًا من بين كبار الفقراء العلماء الأزاغاريين، ولكن لم أعرفه حقيقة إلا بعد 1331ه، حين كنت في المدرسة البونعمانية، ثم دخلت عليه يومًا في المدرسة المعدرية، حين كان شارط فيها، وكأنني أنظر إليه الآن وهو على هيضورة (1) بيضاء، وحوله كتب مخطوطة قديمة، وأذكر أنني تناولت أحد تلك الكتب، فقرأت فيها قصيدة مقفاة بلفظة (آيوي) وهي كلمة شلحية معناها (يا ابني) ثم تناولت آخر فوجدت فيه الأبيات المشهورة للزمخشري.
*يامن يرى مد البعوض جناحه *** في ظلمة الليل البهيم إلا ليل
*ويرى عروق نياطها في نحرها *** والمخ في تلك العظام النحل
*اغفر لعبد تاب من فرطاته *** ما كان منه في الزمن الأول
وكنت أقرأها وربما أحرف بعضها ، فأنشدعا كما هي من حفظه .
كما أنشدني ذلك اليوم أيضًا القطعة السهيلية المعلومة التي يحفظها كثير من الفقراء، مطلعها:
*يا من يرى ما في الضمير ويسمع *** أنت المعد لكل ما يتوقع
(1) جلد الكبش المسلوخ بصوفه فيجلس عليه.