الصفحة 5575 من 9223

وفي إحدى قدماتي إلى الموسم الإلغي من (الحمراء) انخرط في رفقتنا من (المعدر) مع سيدي الحاج محمد بن عدي الواعظ الشهير، فكانت أطيب رفقة، وخصوصًا حين كان معنا أيضًا سيدي عثمان الفقيه الأكراري، فكانت المفاكهات تجري إزاء المذاكرات بين الفقراء إذا خلونا وحدنا، وإذ ذاك عرفت منه كل ما فصلته من أخلاقه، فإنه رحمه الله على كثرة ما يقاسيه من مشقة السفر، ثم من السهر مع الفقراء على الذكر في المجتمعات، كان 193/13

194/13 يبكر المتهجد قبل كل من في القافلة فتراه بعد انفتا له من صلاته بالليل قبل الفجر مستقبلًا ساكنًا مطرقًا، لا تتحرك منه شعرة، يحسبه من لا يعرف حاله نائمًا في قعدته، أو ذاهلًا في شيء، أو سكران لا حركة فيه، غير أنه أن أدرك ما هناك يتلو قوله تعالى: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} ، وكان يحفظ من كلام ابن الفارض والششتري والبرعي وغير ذلك، ما هو متداول بين المسمعين من الفقراء، فكان يخلل بالأبيات المفردة حديثه، ومن أطيب ما رأيته منه أنني باسطته أثناء الطريق في هذه السفرة، وقد رأيت منه أثناء مفاكهة مبالغة في الانبساط، فقلت له: أهكذا أنت؟ وأنا لم أكن أعرف منك هذا، فقال:

*فإنا إذا طبنا وطابت نفوسنا *** وخامرنا خمر الغرام تهتكنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت