الصفحة 5576 من 9223

وكان يميل إلى التقشف في ملبسه وفي مطعمه، وقد كنت أراعيه كثيرًا في تلك السفرة، واقطع له اللحم بيدي كثيرًا عند المؤاكلة، فقال: أتحسبني نشأت باللحم، فإنما أنا ابن (أبالاغ) بتشديد اللام، ويطلقه أهل (المعدر) على الشعير الذي أبطأ كثيرًا في المطمورة، حتى تتغير رائحته وذوقه، فقلت له مداعبًا: كنت أحسبك ابن امرأة تأكل القديد، فقال: قد أمضينا ما كتب لنا من الاستمتاع بالطيبات في الشباب، غير أننا إلى الآن لا نرد على الله شيئًا تيسر، لأننا نتبع الحكمة التي يتداولها المتضاحكون، كن زاهدًا فما قدم لك في الصباح فكله، وكل ما وجدته في المساء فلا تبق عليه، يقول ذلك بالانبساط، وقد كنت إذ ذاك معنيًا بكتابة بعض الشيء من أخبار الوالد وأصحابه، فقال لي: دع عنك ذلك حتى تتقدم في السن، وتقدر قدر والد وأصحابه كما هم، فقلت: أو لم أقدرهم الآن؟ فقال مبتسمًا: إنما تقدر منهم الآن من طريقتهم ما يدخل يدم من الدراهم فقط، من أيدي أصحابه الذين يحبونك حبًا لوالدك، ولكنك ربما إن تقدمت في السن تترقى عن هذا، فيكون كلامك عن ذوق وعرفان، لا على تقليد، ثم أنشد البيت الشهير من الشواهد.

*وابن اللبون إذا مالز في قرن *** لم يستطع صولة البزل القناعيس

ثم كان العجب أن انقطعت عن ذلك بحوادث جدية، ثم لم أراجع ذلك إلا بعد أن تكيفت بكيفية أخرى وأوسع مما كنت عليه إذ ذاك، فأعد الآن ما قاله لي من فراسته الظاهرة رحمه الله ورضى عنه.

من آثار قلمه:

هذه رسالة كتبها إلى ولده سيدي يوصيه فيها.

بسم الله الرحمن الرحيم من العبد الضعيف، الراجي عفو مولاه اللطيف، إبراهيم الفاني بن محمد السطحي المعدري منشئًا، الصوابي نجارًا، 194/13

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت