الصفحة 5861 من 9223

وبعد: فقد وصلنا كتابك الأعز الوافي، المشحون بنفيس المعارف الشافي، فتلقيناه بالقبول والسرور، والترحيب والحبور، وفهمنا مضمنه بقدر الإمكان، وأزال من قلوبنا غياهب التردد والشكوك، وأمعنت فيه النظر، فإذا هو جامع لكلام الصوفية رضي الله عنهم، إذ مدار كلامهم على أصول ثلاثة: معرفة الله تعالى، ومعرفة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة النفس.

نعم، ورد على وارد إشكال وجوابه، وأحب أن أذكره لكم على طريق قياس الشكل الأول، وهو أن نفوس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ونفوس العارفين رضي الله عنهم ميتة، وكل ميت لا تصح محاربته، ينتج: نفوس الأصحاب والعارفين لا تصح محاربتها ومجاهدتها، فما معنى المجاهدة في حديث: رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، ثم بعد هذا ورد علي جوابه، وهو: أن مراد الصوفية رضي الله عنهم بموت النفس فطمها عن مألوفاتها وشهواتها، ومعنى المجاهدة في حقهم: خوف رجوعها إليها بمكرها ودسائسها من غير شعورهم، وأيضًا النفس جاءت من عالم الأرواح، وما كان منه لا يموت ولا يشبع، لأن الأرواح من مواد البقاء، بل النفس والروح والعقل أسماء لمسمى واحد، سميت نفسًا باعتبار 409/13

410/13 ميلها إلى الشهوات، وروحًا باعتبار تعلقها بالجسد، وعقلًا باعتبار إدراكها الأشياء، وإنما تعددت الأسماء بتعدد المتعلق، والله أعلم، ثم ورد على وارد إشكال أيضًا، وهو لا يزال عندي مشكلًا، وهو قول الصوفية رضي الله عنهم: إن شمس القلوب لا تغيب كما قيل:

*إن شمس النهار تغرب ليلًا *** وشموس القلوب ليس تغيب

وظهر لي والله أعلم أنها تغيب وقت نومهم، والنوم سبات، ولاسيما من ضعيف المشاهدة، وعدم نوم القلب هل هو مخصوص للنبي صلى الله عليه وسلم -كما قيل في خصائصه- أو عام لجميع العارفين، الظاهر الأول: لأن له قلبًا إذا نامت العينان لم ينم، وقولنا (1) مجيبين عن الأبيات الثلاثة (تطهر بماءالغيب) إلخ:

(1) عرفنا الآن أن هذه الأبيات من إنشائه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت