فهرس الكتاب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد: فمدار الأرباح على التقوى، وهي الأدب كله، ولا يتقيمن لا يعرف، ولا يعرف المشغول عنه، فرغ قلبك من الأغيار، ولا يفرغ قلبه إلا الشجاع، الكريم يجود بحظه لا لحظ، وينعش بذوب حاله، وينتعش اللئيم ببقاء ماله، هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فكل ذي نعمة محسود، والكتمان قسمان: الظاهر يعرفه كل الناس، والباطن يكون بأثواب الذل، فما أمره وما أحلاه، ولا ثبات في الطريقة إلا بهما معًا، وإهمال الأصول يقطع عن الوصول، وللآدمي ميز تظهر به وجهته وثمرته في سفره، تبكيه أحبته الغافلون كبكاء الممات، وترحمه أعداؤه رحمة الأمهات، فهذا من علامة سفره إلى الحق، وإذا وادعه أحبته في سفره، فاعلم أنه ما زال مقيمًا عندهم، والكل بحول الله وقوته، من استبعد أن ينقذه الله من شهوته، فقد استعجز القدرة الإلهية، كما قال ابن عطاء الله رضي الله عنه.
واعلم أن للآدمي في هذه الدار وجهتين: وجهة إلى الحق، فما أصعبها قبل السلوك كما قال عليه السلام: طريق الجنة حزن بربوة، وهي بعد أحلى من متعة الملوك، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} ، ووجهة إلى الوهم، وما أسهلها، كما قال عليه السلام: طريق النار بسهوة حفت الجنة والنار كل بضدها، سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ولن نجد لسنة الله تحويلًا، فمثال التوجه إلى الحق كرجل طريقه نهر جار، وحاجته من أعلاه، يسهل عليه سلوكه إيمانه بما في غايته من علو المرام، وما يلتقطه الآن في حافتيه من جواهر العلوم، وإن صبر في بعض الأوقات، وحبس النفس وغاص في بحر الطريق، عاد بيواقيت الأنوار، حتى آنسته شدة جرية الماء إلى أسفل، فيغلب ريحه ريح الهوى، حتى كان لا ماء في طريقه، كسفينة في بحر لجي، تمخر الماء وهو مواج ولا تحس به، فيتعجب الناس من توجه أهل الصدق وسلوكهم، لعدم فهمهم أذواقهم. 411/13