الصفحة 5864 من 9223

*دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى *** فإذا عشقت فبعد ذلك عنف

ومثال التوجه إلى الوهم كذلك، إلا أن عزم السالك إلى أسفل، تساعده النفس والهوى والشيطان والدنيا، فكأنه ماش مع الماء، حتى كأنه ماء بنفسه، فيكون أصم أبكم أعمى، أي من جهة الحق، مع أنه سماع منطيق بصير، أي من جهة هواه، فلذا لا يعذر بغفلته {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة} ، يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون، وإذا استيقظ الإنسان من نوم الغفلة تكلف الوقوف بالنهر، فيتحرى إحدى ناحيتيه، وهو معنى التجريد ظاهرًا وباطنًا في البدايات، حتى يقلب وجهه إلى أعلى الوادي، فيحس بشدة مناقضة الماء له في من نفسه وقرينه، فيعرف حينئذ عدوه من صديقه، فإن صدق فلا يجد أعدى من نفسه التي بين جنبيه، كما قال عليه السلام فإن استجاب لله حقًا، صدق في محاربة عدوه، ونصب له المجانيق والرعادات، وعض بالناب، وخدش بالظفر، وكل ما أمكن، وأقام نفسه عالمًا كليًا تغيب عنه العوالم كلها بشغله، عملًا بقوله تعالى: {فخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} ، وقال: {فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون} ، وقال: {فشدوا الوثاق} ، وقال: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ، أي حتى تنقاد نفسه إلى سلوك الطريق مع مناقضة الهوى، فحينئذ يدب ثم يمشي ثم يهرول، ثم يطير (وما ذلك على الله بعزيز) .

واعلم أن محل الفجر الكاذب، هو محل الفجر الصادق، ومحل الصادق، هو محل الشمس لا محالة، فمن ولد -أعني ولادة معنوية- على فراش الصنعة، فلابد أن يلعب بها في أوله، وهو من علامة النسبة، ثم يتعشقها حتى يجد فيها، وحتى يكون فيها ماهرًا كآبائه، أو أمهر منهم ثم لا يترفع، (لا ترفعوني فوق ابن متى) الحديث، فشر الناس من يرضى أن ينبت نبت خضراء الدمن، {فلا تعجبك أموالهم ولا أودلاهم} {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم؛ وأن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة}

*فخيار الناس هداتهم *** وسواهم من همج الهمج

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت