الصفحة 5867 من 9223

فلذا قال شيخ شيوخنا رضي الله عنهم، مولاي العربي رضي الله عنه، جوع النفس كثيرًا، وأشبعها كثيرًا، أي واعرها كثيرًا، وحلها كثيرًا، وأيقظها كثيرًا، ونومها كثيرًا، أي حتى تكون سلسلة سهلة قابلة للتلون بلا عنف، فتكون كالجمل الأنف، أن استنيخ على صخرة أناخ، فيبقى لها إدراكها، عند التلوين الإلهي، أي تجلي الجلال والجمال، وهو سر قوله تعالى: {إن ذلك على الله يسير لكيلا تاسوا} ، الآية. ففي نحو هذا يكون الجهاد، ولو من نبي، لأن العبد عبد، والرب رب، {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} ، ولا عبودية إلا مع الجهاد، شيبتني هود وصالح، وقال عليه الصلاة والسلام: رأيت جبريل عليه السلام تحت العرش كالحلس البالي من خوف الله، أليس هذا هو الجهاد الأكبر، وهم معصومون، فكل مقام له أدب يخصه، والأدب جهاد، وله باطن، وهو أكبر محله، ولا يعرفه إلا أهله، وهو المعتنى به عند الإخوان، وأما من لا تسكن نفسه إلا بحسن الظواهر المتلاشية، من كسيوات، ولين الثياب، وكثرة الإتباع، ولطخ كفه بالتقبيل من الأوباش، فلا يطمع في معرفته، وله ظاهر يسمعه كل الناس -ولعله يعرفه كل الناس- وهو نقطة من أثر أدب الباطن، بشرط طهوره على طريق الحكمة، ويعنون بموت النفس: تذليلها لهذين الأدبين، ولا تزال الدابة تستوحش من الحمل مدة عمرها، ولولا علمها بقهر ربها لما قبلته يومًا، ولو أهملت زمنًا لما ألفته إلا بشدة، فبقدر العلم يكون القرب. وبحسب القرب يزيد الأدب، ثم بالأدب يتزايد القرب، وعنه عليه السلام: إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في كل يوم سبعين مرة، وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، أتظن أن بلاءهم منحصر في المصائب فقط، لا لا، وأكبر البلاء نعوذ بالله، الخذلان، وكل يخافه وربما يقال: لا أنس مع الجهاد، والمؤمن يأنس ويطمئن، أقول: على الهمة آنسه جهاده أفلا أكون عبدًا شكورًا.

*لا تدعني إلا بيا عبدها *** فإنه أجل أسمائي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت