فهرس الكتاب
ولا يرضى بغير الوصول إلا الجهول، فهذا المقام يشم ويذاق، فلما يزيده الكلام إلا غموضًا، والكشف عنه علامات جهله، وتكون من أهله إشارات إليه، والبصير من الناس في هذا المعنى، كناظر من الماء الصافي، إلى نجوم السماء يريد الإحاطة، قال تعالى: {فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير} ، وضعيف البصر كناظر في ماء متغير، ومن غلب عليه الرين كناظر من 415/13
416/13 حمأ مسنون، بحسب تعلق الهمة بعالم الإحساس وفراغها، هذا وما ذكرت من أن النوم سبات، فالموت أسبت منه فبالموت يظهر هذا المعنى، لا أنه ينعدم به، فلذا يحبه المحب، {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتًا بل أحياء ولكن لا يشعرون}
*وإني لاستغشي وما بي غشية *** لعل خيالًا منك يلقي خياليا
وكقوله:
*واخرج من بين الديار لعلني *** أحدث عنك النفس بالليل خاليا
ويقظتنا كسماء مغيمة، وموتنا -والنوم أشبه به- كسماء مصحية دليل الأولى الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا، وفي الموت اللقاء، والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار.
واعلم أن الحقائق لا تتبدل بنقلها في المقامات، بل تنمو بها، فالمحبوب محب يقظان أو نائمًا، والسلطان هو هو يقظان أو نائمًا، والعارف أثبت مطلوبيته، وفنيت طالبيته، وقد قالوا: متى نسيته فاذكره:
(يا قوم من هو روحي كيف أنساه)
{وهو الذي أمات وأحيا} ، {وهو معكم أينما كنتم} ، فلله مجنون بني عامر إذ قال:
*ولو أن ليلى الأخيلية سلمت *** على ودوني جندل وصفائح
*لسلمت تسليم البشاشة أو زقا *** إليها صدى من جانب القبر صائح
وكقوله:
*ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا *** ومن دون رمسينا من الأرض سبسب
*لظل صدى صوتي وإن كنت رمة *** لصوت صدى ليلى يهش ويطرب